يرمي كتاب ( الكتابة والفقدان: قراءة في التجربة القصصية عند علي القاسمي) لمؤلفه إبراهيم أولحيان إلى تعرية تجربةِ مبدعٍ اكتوى بنار الغربة والتمزق والضياع، فصاغ رؤاه بشكلٍ فنّيٍّ يستهدف متلقياً شغوفاً بمتعة الحكاية المسكونة بالمعاناة والمعرفة والفن. يكاد المؤلف أن يكون متخصّصاً في الإبداع القصصي للكاتب العراقي المقيم في المغرب علي القاسمي.
فبالإضافة إلى الصداقة التي تربطهما وتيسر له معرفة شخصية الكاتب وهمومه ودوافعه، فهو مطلع على الإنتاج الفكري للقاسمي، سواء أكان إبداعاً أدبياً أم بحثاً علمياً في اللسانيات والمعجمية والمصطلحية والترجمة والتربية والتنمية وحقوق الإنسان.
يرى المؤلف أن في مجموعة (رسالة إلى حبيبتي) قصصا تدخل في نطاق المحكي السيرذاتي الذي ينسج خيوطه الداخلية من استعادة الذات لماضيها، خصوصاً ذلك الماضي السعيد في زمن الطفولة؛ وأن نصوص المجموعة متسلسلة على مستوى حركية زمنها الداخلي، وأن قصة " رسالة إلى حبيبتي " التي تشكّل آخر نصٍّ في المجموعة، تشدّ خيوط الحكي في النصوص الأخرى، وتجعلها منسجمة فيما بينها، لذلك ارتبط هذا النصُّ بشكل مباشر بالعنوان، وبصورة الغلاف.
وما " التخييل الذاتي" في نصوص هذه المجموعة إلا صيغة إبداعية، تترك للمبدع مجالاً للتفكير والتأمُّل في حياته الخاصة، بفضل المسافة الزمنية الفاصلة بين وقوع الأحداث ولحظة الكتابة عنها، بحيث يخلق ماضياً جديداً ولا يعيد تكوين ماضيه الفعلي.
في دراسته حول مجموعة " صمت البحر"، لاحظ إبراهيم أولحيان، بدايةً، أن القاسمي أعاد الاعتبار للحكاية التي ضاعت مع كثير من القصص التي تنتج في البلاد العربية وتعتمد التجريب.
فالحكاية بتفاصيلها تشكّل مصدر متعة للقارئ، فهي المادة الخام التي يشتغل عليها المبدع لتحقيق الوقع المطلوب في نفس المتلقي ؛ أمّا خواتيم القصص، فتوظِّف المفاجأة التي تأتي صاعقةً، غير متوقَّعة، مخالفةً لأفق انتظار القارئ، فتجبره على إعادة تفاصيل الحكاية لكي يلملم الشتات الذي خلفته زوبعة الخاتمة بفجائيتها تلك.
يتناول الكتاب قضية تغير طبيعة الحكي طبقاً لوضعية السارد، ويتخذ مجموعة " دوائر الأحزان" مجالاً تطبيقياً له. يرى إبراهيم أولحيان أن لكل محكي موضوع يريد أن يقوله، وموضوع القصة هو الحكاية التي تصل إلى القارئ عبر السرد الذي يتكفل به السارد. ووجود السارد في الحكي مسألة لا بدَّ منها، سواء أكان السارد شخصية في القصة التي يرويها أم غريباً عن القصة.
يقارب المؤلف مجموعة القاسمي القصصية " أوان الرحيل" انطلاقاً من مكوِّن الفضاء، بوصفه أحد المكوِّنات الجوهرية للنصِّ القصصي. فمن خلاله تنكشف العلاقات، وعبره يتمّ تنظيم المسار الحكائي للنص. وحتى حين يغيب الفضاء، فإن السرد يتكفّل بإحضاره وجعله ماثلاً في كل لحظات النص.
حيث يصبح الفضاء هو النص الحكائي ذاته وفضاء الموت هو المهيمن على جميع قصص هذه المجموعة، ويبرز في تفاصيل الحكي في كل واحدة منها. وقد جعل القاص مكوِّنات الحكي الأخرى في خدمته. والسارد في قصص هذه المجموعة يعتمر الأقنعة المختلفة الأشكال، ويلبس النظارات المتباينة الألوان، ليرى الموت من منظوراته العديدة، ومستوياته الكثيرة.
وأحواله اللامتناهية، فيصور لنا موت إنسان، وموت حيوان، وموت مدينة، وموت حضارة، إلخ. لقد اشتغلت هذه المجموعة على موضوعة (الموت) في مفاهيمه المختلفة: المفهوم الديني، المتجلي في الحديث عن الآخرة ومراسم الدفن وتلاوة القرآن على الميت؛ والمفهوم الاجتماعي، الذي يبرز في علاقة الناس بالميت والتفافهم حوله وتعاطفهم معه.
والمفهوم الرمزي، المتمثل في معنى الرحيل، الذي يمكن استخلاصه من العنوان،" أوان الرحيل"؛ والمفهوم الفلسفي، الذي تكشف عنه تلك الوقفات التأمُّلية للسارد، ليعلن بعدها أن " الموت هو الحقيقة الجادّة الثابتة الوحيدة في هذا الوجود التي لا تقبل الهزل"، وأن " الموت ليس بأهون من الولادة، فالنهاية ليست أدنى شأناً من البداية".
وينتهي الناقد إلى أن القاسمي حينما يرصد الموت ويعيد تحيين الألم الذي يتركه منغرساً في هذه الحياة، إنما يكتب، في حقيقة الأمر، عن الحياة ذاتها باعتبار أن الموتَ جزء منها. فهو يروم تشريح بعض المظاهر والعادات والسلوكات التي تصاحب الموت، والاقتراب من واقع الإنسان العربي بالوقوف على ما يهدِّد مستقبله، ويغتال أحلامه، ويطفئ رغباته. فالحياة هي التي تهدّدنا وليس الموت ؛ كما يتناول المؤلف مجموعة " حياة سابقة" التي تشتغل، هي الأُخرى، على تيمة الفقدان، ولكن بطريقة مختلفة. فالفقدان يتجلّى ويتمظهر في هذه المجموعة بشكل آخر وضمن عوالم غرائبية، للكشف عن الخبيء من المشاعر والأحاسيس والرؤى.
وإذا كانت بعض الاتجاهات الأدبية الحديثة قد قلَّلت من شأن الشخصية في السرد، فإن الشخصية، في كتابات القاسمي، تتمتع بقوةٍ بوصفها الفاعل الأساسي، وجميع الأحداث تجري منها وعبرها وإليها، فالنص القصصي يضيء الشخصية، ويعتني بها، ويرسمها بعناية، ويركّز عليها.
وهذا لا يعني أنه يقدمها منذ البداية جاهزة، وإنما يرسم لها الطريق ويتركها تتحرّك وتتفاعل وتتناسل لتتشكّل في النهاية ؛ ويدرس المؤلف قصة (عصفورة الأمير: قصة عاطفية من طي النسيان، للأذكياء من الفتيات والفتيان). وهي قصة تروم تعليم الأطفال مفاهيم حقوق الإنسان ومتطلبات التنمية البشرية .
ويؤكِّد المؤلف أن (عصفورة الأمير) تنتمي إلى ذلك الجيد النادر، فقد توفَّرت فيها الشروط الفنية والنفسية اللازمة، واشتملت على المواصفات المطلوبة، وحددت في العنوان سنَّ المتلقين المستهدَفين، وتعاملت معهم بوصفهم جزءً من بنية النصّ الأدبي ؛ ويخلص المؤلف إلى أن القصة تحفر في اتجاه تعميق مفهوم الإنسان.
وعلاقته بالحياة في قضاياها الكبرى وفي تفاصيلها اليومية، وذلك بحثاً عن سعادة ممكنة، بعيداً عن الضجر والظلم والشقاء، لأن الإنسان أهمّ شيء في العالم: " فما قيمة كلّ الموجودات بدون الإنسان، فالإنسان أغلى جوهرة في الوجود" كما جاء في نص القصة.
الكتاب: الكتابة والفقدان قراءة في التجربة القصصية عند علي القاسمي
تأليف: ابراهيم أولحيان
الناشر: دار الثقافة بالدارالبيضاء (2011)
الصفحات: 174 صفحة
القطع: المتوسط
