كان الاسترالي ليونيل لوغ أخصائيا بآليات النطق وتصحيح "مخارجه" لدى أولئك الذين يعانون من بعض المشاكل فيه. وكان ذلك الأسترالي هو الذي عالج بـ"طرق غريبة قليلا" الملك البريطاني جورج السادس، أب ملكة بريطانيا الحالية "اليزابيت الثانية" من مشكلة "التأتأة" التي كان يعاني منها في وقت كانت فيه بريطانيا بحاجة إلى ملك قوي و"بليغ" في محادثاته "الدبلوماسية" فالحرب العالمية الثانية كانت على الأبواب.
موضوع الملك جورج السادس وعلاجه من التعثّر في الكلام على يد الأسترالي ليونيل لوغ قام السينمائي توم هوبر بإخراجه في فيلم "خطاب الملك"، الذي جرت تسميته لنيل 12 جائزة أوسكار وعرف نجاحا تجاريا كبيرا في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وبقي لفترة أسابيع عديدة على رأس قائمة الأفلام الأكثر مشاهدة. والموضوع نفسه يجده القرّاء في كتاب تحت نفس العنوان حرره حفيد كارل لوغ، حفيد ليونيل لوغ، برفقة الصحفي البريطاني بيتر كونرادي.
وتتم الإشارة أولا أن مسألة "تأتأة" الملك جورج السادس كانت "موضوعا محظورا" في بريطانيا لفترة طويلة. كما كانت الملكة الأم والدة الملكة الحالية قد رفضت عام 1981 إخراج فيلم عن مشكلة النطق لدى زوجها ورفضت فتح "الأرشيف" الخاص بها على خلفية تبريرها ذلك أن الأمر كان لا يزال "طريا" في ذاكرتها.
لكن بعد وفاة الملكة ـ الأم قام كاتب السيناريو الذي فشلت محاولته الأولى بالاتصال مع مارك لوغ، حفيد ليونيل لوغ، الذي كان قد ورث عن أبيه "ثروة كبيرة" تمثّلت في "الدفاتر الشخصية لجدّه ومراسلاته مع الملك جورج السادس". وتبيّن تلك المراسلات الصداقة الحميمة التي قامت بين "الملك ومعالجة الأسترالي".
وما يؤكده مارك لوغ في الكتاب الذي بيعت منه عشرات آلاف النسخ، قوله: "لقد لعب ليونيل لوغ دورا حاسما في منح الثقة لدوق يورك الملك جورج السادس لاحقا- بنفسه حيث كان يشك، بسبب الإعاقة في اللفظة التي كان يعاني منها، بقدرته في ممارسة الحكم. وقد نجح جدّي في إقناعه أن مشكلته لم تكن من طبيعة مادية، جسدية، ولكن بالأحرى من خلل ذهني ما وبالتالي من الممكن معالجة المشكلة بواسطة بعض التمارين الملائمة".
ويروي المؤلف أن الملك جورج السادس نجح بفضل عمله مع ليونيل لوغ في الاستيعاب الكامل لما كان ينبغي عليه أن يعبّر عنه أمام الجمهور. نقرأ: "أثناء السنة الأولى، 1926، كان دوق يورك وليونيل لوغ يلتقيان عدة مرات أسبوعيا.
وقد التقيا 56 مرة بالتحديد خلال الأشهر الثلاثة الأولى". وإذا كانت إيقاع اللقاءات "الطبية" قد انخفض بعد ذلك، فإن الرجلين ثابرا على اللقاءات "الشخصية" بانتظام بحيث قامت بينهما علاقة صداقة حقيقية. "إن الرسائل التي بعثها الملك لجدي تنمّ عن صداقة عميقة بينهما وتبيّن أنهما كانا قريبين جدا. وكان الملك يبدأ دائما بعبارة: عزيزي لوغ. وكان يطلب دائما أخبار جدتي وولديهما"، كما نقرأ أيضا.
إن الأسرة الملكية البريطانية جرى "إنقاذها" ،كما يتمّ التأكيد، في العقود الأولى من القرن العشرين بواسطة "أخصائي مغمور بمشاكل النطق". وأخصائي "عن طريق التعلّم الذاتي". لم يكن أرستقراطيا ولا حتى انجليزيا "أصلا". لكنه كان مع ذلك كله هو الذي "حوّل" دوق يورك "العصبي" و"المتلعثم في الكلام" إلى أحد أكبر الملوك الذين عرفتها انجلترا خلال تاريخها الطويل. وكان قد وصل إلى العرش بعد تخلّي أخيه ادوارد الثامن عنه من أجل المرأة التي أحبّها: السيدة سامبسون الأميركية، والمطلّقة قبله مرتين.
ويعود المؤلفان، الحفيد والصحفي، إلى تلك الليلة من عام 1937، حيث كان عمر جورج السادس، والد الملكة البريطانية الحالية، 41 عاما وكان قد وصل إلى العرش قبل خمسة أشهر وفي سياق تخلي أخيه عن السلطة مما كان قد دفع الملكية البريطانية في أحد أكبر أزماتها خلال التاريخ كله. في تلك الليلة كان ينبغي تتويج الملك "رسميا" في كنيسة "ويستمنستر".
وكان الملك الجديد "قلقا" من لحظة تدعو لذلك بالنسبة لجميع البشر فكيف بالنسبة له وهو الذي كان يعاني من مشكلة في النطق "تجعل من كل محادثة بسيطة معضلة حقيقية، وبالتالي تجعل من خطاب أمام الجمهور امتحانا رهيبا". وكانت جميع الكلمات التي تبدأ بحرف "K" ،مثل كلمة ملك بالإنجليزية "King"، تمثل مشكلة خاصّة.
ورغم التردد الذي كان يعاني منه الملك تمّت عملية "التتويج" التي كان يتابعها عشرات الملايين عبر الإذاعة، بنجاح كبير، ذلك ما علّقت عليه صحيفة "ذا ستار" الشهيرة بالقول: "في الليلة الماضية كان صوت الملك قويا وعميقا ويشابه إلى درجة مدهشة صوت والده"، كما ينقل المؤلفان ويضيفان: "كانت مخارج كلامه بأكبر درجات الموضوع، ودون أي تردد". كما بقي جورج السادس حتى وفاته عام 1952 يعتمد على خدمات صديقه من أجل تحضير خطاباته الرئيسية. وأصبح ليونيل لوغ بفضل الملك أحد أشهر الأخصائيين بآليات النطق، حيث توافد على عيادته كبار الإنجليز حتى وفاته عام 1953، أي بعد عام واحد من وفاة الملك.
الكتاب: خطاب الملك
تأليف: مارك لوغ بيتر كونرادي
الناشر: كويركوس لندن 2010
الصفحات: 256 صفحة
القطع: المتوسط
The kingصs speech
Mark Logue, Peter Conradi
Quercus Publishing - London- 2010
256 p.
