قبل ثلاثين سنة وفي مطلع شهر مايو من عام 1981 تم انتخاب فرانسوا ميتران رئيسا للجمهورية الفرنسية، وقد كان الرئيس اليساري الاشتراكي الأول، والوحيد حتى الآن، للجمهورية الفرنسية الخامسة التي أسسها الجنرال شارل ديغول عام 1958، عندما عاد إلى الحكم، وحيث وضع كشرط للعودة تغيير دستور الجمهورية الرابعة.

 وبمناسبة الذكرى الثلاثين لوصول فرانسوا ميتران إلى الحكم عرفت رفوف المكتبات الفرنسية سلسلة من الكتب عن سيرة حياة فرانسوا ميتران، وفترة حكمه ممن كانوا قريبين منه ومن ضمنهم وزير خارجيته لسنوات وأحد أصدقائه المقربين لفترة نصف قرن من الزمن رولان دوما، الذي صدر له كتاب تحت عنوان: (ضربات وجراح) مع عنوان فرعي مفاده: 50 سنة من الأسرار المشتركة.

إن وزير خارجية فرنسا الأسبق يكشف في هذا الكتاب عن الكثير من »الأسرار حول فرانسوا ميتران، الصديق ورجل الدولة«، كما يصفه. إنه يتعرّض للعديد من الملفات مثل تجربته في المجلس الدستوري وقضية شركة »الف للبترول« حول الرشاوى والفساد، الذي أحاط العلاقات مع قادة بلدان إفريقية، وملف اليمين المتطرف والعلاقات مع نيكولا ساركوزي وملفات أخرى عديدة. ذلك كله في سبيل »فتح الأفق حيال فترة وأشكال من السلوك جرى التساؤل حيالها غالبا« ،كما يقول.

ويبدأ «دوما» بالحديث عن سيرته هو شخصيا وعن الموت المأساوي لوالده في الحرب العالمية الثانية. ذلك الموت الذي تعلّم منه الكثير ورسّخ لديه، كما يقول، الكثير من القيم. أما عن الفترة التي عاشها كصديق قريب من ميتران فيصفها بالقول إن سمتها الأساسية كانت »وجود شبكات« تلاقت مصالحها أو تنافرت.

ويروي دوما أنه التقى فرانسوا ميتران عام 1945 عندما تحررت فرنسا من الاحتلال النازي. كان الاثنان ينتميان إلى منظمات للمقاومة وفي وقت قصير قامت بينهما صداقة متينة. والتقيا سياسيا عندما دعم ميتران ترشيح دوما للانتخابات التشريعية. كما أنه وقف إلى جانب ميتران في »اللحظات الصعبة«، حيث كان محاميه في العديد من القضايا.

»لقد كنّا أصدقاء جدا في السرّاء والضرّاء ولطالما تذكّرنا ذلك« كما نقرأ. لكن الامتحان الأكبر لتلك الصداقة كان فوز ميتران في الانتخابات الرئاسية عام 1981. ذلك أن الأمور غدت جديّة أمام واقع السلطة. وينقل عنه قوله له: »أريد أن تدخل إلى البرلمان ومنذ أن يتم انتخابك ستدخل الحكومة، فأنا أرى أنه ينبغي الفوز في الانتخاب لدخول معترك السياسة«. وهكذا حصل، أصبح دوما نائبا فوزيرا للشؤون الأوروبية لدى ميتران ثم وزيرا للخارجية. وذلك للاهتمام خاصة بملف العلاقات الدبلوماسية الفرنسية-الألمانية ذات المغزى »الرمزي« الكبير. 1992.

وفي معرض الحديث عن قضية شركة »الف«البترولية والفساد المالي تركت لدى رولان دوما، كما يقول، الذكريات الأكثر إيلاما في مسيرته السياسية. وقضية الرشاوى والفساد حول صفقات خاصة بتسليح بعض البلدان الصاعدة استمرت محاكماتها تسع سنوات كاملة، كما انتهت تلك »المعركة القضائية« بإعلان البراءة التامّة لرولان دوما الذي يفصح بوضوح عن حقده الكبير على القاضية »ايفا جولي«، أحد رموز حركة أنصار البيئة الخضر- في فرنسا اليوم، ويصفها بأنها »ألقت شرف رجل إلى الكلاب«.

ومن خلال الكثير من الحكايات الصغيرة التي »نسجت التاريخ الكبير« يكشف دوما عن بعض خفايا الحياة الخاصة لميتران غير المعروفة، فميتران الإنسان بعواطفه ومشاعره ولكن »من يحسن رؤية المستقبل « بنظرته الإستراتيجية الثاقبة. يحكي دوما أنه ذات يوم وأثناء حفل استقبال جرى تنظيمه في قصر الأليزيه »لفتت انتباهه زوجة رئيس بلدية مدينة كبيرة في جنوب فرنسا«، ويقصد مرسيليا كما يبدو بوضوح من »المؤشرات« التي يصرّح بها. لكن »المشكلة« هي أنها لفتت أيضا »انتباه« الرئيس ميتران الذي قال لصديقه: »هذه، لي«.

وبعد الحديث الطويل عن الصديق ميتران، لا يتردد رولان دوما في التعليق على السياق الفرنسي الراهن والمستقبل القريب. ويقول عن الرئيس نيكولا ساركوزي: لا بد من ملاحظة أن سياسته لا رأس ولا ذنب لها، كما ينقصها الحزم والأفكار الموجهة ويستدل على ذلك بالسياسة الخارجية التي تنسخ السياسة الدولية للولايات المتحدة.

ولعل من أهم ما قاله عن صديقه ميتران أنه كان رجلا حار المشاعر ومخلصا جدا في الصداقة وحساسا اتجاه آلام الآخرين. وكان مسكونا بفكرة الموت الذي خطف بعض المقرّبين منه. ويتذكّر دوما أنه يوم وفاة والدته عام 1965 رأى سيارة فخمة تقترب من بيته، حيث كان ميتران هو من قطع عدة مئات الكيلومترات ودون ضجيج أوبحث عن الظهور لتقديم العزاء.

 

 

 

الكتاب: ضربات وجراح

تأليف: رولان دوما

الناشر: شيرش ميدي باريس 2011

الصفحات: 520 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Coups et blessures

Roland Dumas

Cherche Midi - Paris- 2011

520 p.