عرفت أوروبا فترة مظلمة جداً في تاريخها خلال العصور الوسطى، وهي معروفة بفترة (محاكم التفتيش) حيث ساد القمع والقتل على مجرّد الشبهة في التفكير بطريقة مغايرة لما كانت تقول به الكنيسة. حظيت تلك الفترة بالعديد من الدراسات خلال العقود الأخيرة المنصرمة.
وكانت الأغلبية الساحقة من تلك الدراسات تعنى خاصة بتحليل السياق الاجتماعي والسياسي الذي أدى إلى فترة محاكم التفتيش، ولكن دون إعطاء أهمية كبيرة لأولئك الذين يقومون عليها والذين نصّبوا أنفسهم مشرفين عن كل ما كان يختلج في صدور الناس آنذاك. إن الأستاذة الجامعية والباحثة كارين سوليفان، الأخصائية بالعصور الوسطى الأوروبي (تسدّ) هذه الثغرة في كتابها الأخير الذي يحمل عنوان: (الحياة الداخلية لمفتشي العصور الوسطى).
ومن الأفكار التي يتم التأكيد عليها بالنسبة لسلوكيات (محاكم التفتيش) في العصور الوسطى التأكيد بصور مختلفة أن جميع رجال الدين المسيحيين آنذاك اعترفوا أنه كان ينبغي على الكنيسة أن تحاول أولا (تصحيح سلوكية الهرطقة) عبر المواعظ المتكررة والدعوة للعودة إلى الطريق المستقيم والتأكيد على العقوبات الشديدة التي تنتظر أولئك الذين يستمرون في غيّهم. وإذا لم يعط ذلك كله ثمرة فإنه كان (ينبغي التوجّه نحو استبعادهم أي الخارجين على إرادة الكنيسة - من المجتمع ) .
أما بالنسبة لتطبيق العقوبة الكبرى المتمثلة في القتل، فإن مؤلفة هذا الكتاب تميّز بين نمطين من السلوك سادا في العصور الوسطى لدى رجال الكنيسة. النمط الأول مثّله أولئك الذين كانوا يميلون للتساهل حيال (المذنبين) وكانوا يفضّلون التروي وانتظار إمكانية عودة المعنيين إلى الطريق السليم وإعلان تخلّيهم عن الأفكار التي ضللتهم.
والنمط الثاني مثّله المتشددون بين رجال الكنيسة الذين كانوا يطالبون بعدم التأخّر و(إضاعة الوقت) ويؤكدون على تنفيذ الحكم المباشر لمن تثبت عليهم التهمة وإرسالهم إلى المحرقة.
تتم الإشارة أن هؤلاء وأولئك كانت لديهم دوافعهم العميقة، كما يبدو من الأمثلة العديدة التي يتم تقديمها من كتاباتهم. والشواهد المقدّمة في الكتاب مأخوذة مما تركه ستة من أكثر "مفتشي العصور الوسطى" شهرة وهم برنار دوكليرفو ودومينيك دوغيزمان وكونراد دوماربوغ وبيير دورفيرون وبرنار غوي وبرنار ديليسيو. وتتعرّض المؤلفة في تحليلاتها إلى ما كانت تعنيه "الهرطقة" في الغرب خلال القرون الوسطى، وتحديدا الغرب الأوروبي.
إنها تبيّن كيف أن مجرّد إظهار مشاعر الحب كان يمكن أن يضعه بعض "مفتشي" العصر الوسيط في باب الخروج على التعاليم الكنسية الصارمة. لكن ذلك "التطرّف" في المواقف المتزمّتة لم يكن يعبّر في الواقع، كما تؤكّد المؤلف، سوى عن زمرة من المتزمتين من أمثال أحد قساوسة كنيسة باريس كان قد أدان عام 1277 كتابا ألّفه "اندريه لوشابولان" تحت عنوان "عن الحب".
بالمقابل تسوق المؤلفة عدداً من الأمثلة التي تذهب كلها في اتجاه القول ان رجال الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى أبدوا في نشاطهم "التفتيشي" صرامة كبيرة حيال جميع أصحاب الأقلام من الباحثين الذين أعدّوا كتابات "دفاعا عن الأفكار المناوئة للفكر الذي كانت تتبنّه الكنية الكاثوليكية".
لكنهم بالمقابل،أي رجال الكنيسة، أبدوا الكثير من التسامح وعدم المساءلة حيال الشعراء في تعرّضهم للعواطف والمشاعر الإنسانية. من الواضح أن المؤلفة لا ترسم في تحليلاتها صورة (قاسية) و(استبدادية) لرجال الكنيسة الكاثوليكيين في العصور الوسطى عبر ملاحقتهم لمن اعتبروهم (خارجين عليها) ، ولكنها تعترف أنهم كانوا يقدمون أنفسهم على أنهم يلعبون دور الرقابة الضميرية المتطابقة لوجهة نظرهم . بتعبير آخر تصرّفوا على أساس أنهم يلعبون دورا عقائديا وليس (عقابيا) حيال رعاياها.
وإذا كان (مفتشو) العصور الوسطى قد تصرّفوا باسم الكنيسة، من موقع (أطباء الروح) الذين يعالجون (المرضى الروحانيين)، كما تشرح المؤلفة، فإنها تصل من خلال قراءتها لأدبيات تلك الفترة كما جاءت بقلم أفضل ممثليها تدل على أن (خبرة المفتشين) لم تكن عميقة في كيفية إيقاظ الإيمان في قلوب (المذنبين) . ولكن كانت الأحرى في كيفية البرهان على حقيقة خروجهم على تعاليم الكنيسة بنظر المشككين بذلك.
وتنقل المؤلفة عن (برنار غوي) أن (المفتشين) ربما كانوا يتألّمون ويعانون من تعذيب الضمير إذا أدانوا (ظنينا) لم يعترف، ولكن (كان من المثير للقلق وللحسرة في ضمير المفتش قدرة أحد المتهمين في استخدام دهائه للنجاة من العقاب).
الكتاب: الحياة الداخلية
لمفتشي العصورالوسطى
تأليف: كارين سوليفان
الناشر: جامعة شيكاغو2011
الصفحات: 312 صفحة
القطع: المتوسط
The inner lives of medieval inquisitors
Karen Sullivan
University of Chicago Press- 2011
312 p.
