لماذا يكتب أحدهم بلغة أجنبية وليس بلغته الأم؟ (اللغة وطن) قال الكثير من الكتّاب والمبدعين. ولكن هذا لم يمنع كاتباً كبيراً مثل صموئيل بيكيت وفيلسوفاً مثل إميل سيوران، من الكتابة بلغة لم تكن لغتهم الأم. وها هو الكاتب والمترجم الياباني اكيرا ميزوباياشي يحكي في كتاب تحت عنوان (لغة جاءت من بعيد) قصة دخوله إلى عالم اللغة الفرنسية، بل وأصبح أستاذا لهذه اللغة في جامعات اليابان.
يروي اكيرا ميزوباياشي، أنه عندما كان في العشرين من عمره، عاش نوعا من (المواجهة المؤلمة) مع لغته الأم، اللغة اليابانية. لقد رأى أنها كانت تعاني نوعا من (الجمود) ومن خطابات سياسية تتكرر مستخدمة (لغة خشبية) بعيدة عن نبض اللغة الحية. لقد ساد لديه الإحساس، كما يقول، أن الكلمات لا تدل على مضامينها، والأسماء لا تدل على مسمياتها، (كانت كلمات بلا جذور، كلمات تفتقر إلى اختلاجات الحياة وإلى الأنفاس الصادرة من العمق)، حسب تعبير المؤلف. ويؤكّد أنه أحس بنفسه (سجين) واقع إفلاس الحقيقة الذي كان يضرب اللغة اليابانية (وسيادة حالة من الطلاق بين الذات ومظاهر التعبير عنها).
ويشرح ميزوباياشي، أنه أمام مثل ذلك الواقع بدا (اختيار) لغة أجنبية بمثابة البحث عن (التحرر) و(الخروج الإرادي) من إطار لغة (تضيق آفاقها) نحو لغة أخرى بدت كمجال رحب ومشروع اكتشاف كبير. يؤكّد المؤلف في هذا السياق أن والده لعب دورا جوهريا في دفعه نحو اللغة الفرنسية التي يطلق عليها تسمية (اللغة الأب)، مقابل التسمية الشائعة عن (اللغة الأم).
ويشير المؤلف أنه بدأ تحضيره لخوض غمار تجربة تعلّم اللغة الفرنسية منذ أن كان في الجامعة بطوكيو حيث (انغمس إلى أقصى درجة ممكنة) بكتابات جان جاك روسو وغيره من مفكّري عصر التنوير. كان يعرف عندها الكثير عن القرن الثامن عشر وكان يتحدث لغة فرنسية (أدبية) تنقصها إلى درجة كبيرة إمكانية الدخول في محادثات (عفوية) مع الآخرين، حيث لم يكن من النادر استخدامه لكلمة ليست هي المطلوبة تماماً.
ما يؤكده المؤلف هو أن ازدواجية اللغة الفعلية لديه جعلته يعيش طيلة حياته موزعا بين (تقريبا) و(ليس بالكامل). لكنه يؤكد بالوقت نفسه أن الفسحة التي خلقها ازدواج الإحساس بالغربة تشكّل بالنسبة له أرضية خصبة للبحث المستمر عن الدقة، ودون أن تكون مصدر إحساس بالحرمان.
وإذا كان اكيرا ميزوباياشي يؤكد في هذه السيرة الذاتية (اللغوية الفكرية) أنه يجد نفسه دائما (بين شاطئين) فإن ما يقدمه هو أبعد من إعلان حب (حيال اللغة الفرنسية) التي جاءت إليه من بعيد . إن هذا الياباني (المأخوذ) بروسو وغيره من كبار مفكري فرنسا، يشرح أهمية ولوج دروب المعرفة والتعلّم. (تعلّم فكر الآخر)، كما يقول. والتأكيد في نفس السياق أنه يمكن للإنسان أن (ينبعث من جديد في رحم لغة جديدة) .
لكن المؤلف يؤكد بأشكال عديدة في هذا الكتاب على أن (الخروج) من لغة وثقافة و(الدخول) في لغة وثقافة أخرى يحمل خطر (الفقدان النهائي للصفاء الأصيل للأولى) وخطر (عدم الوصول إلى الحدود النهائية للثانية) .
وبكل الحالات هناك شرط لا يساوم عليه المؤلف من أجل امتلاك "التعلّم الأصيل" لأية لغة وهو "التجربة المسبقة التي تتناظر مع هذا الهدف".
الكتاب: لغة جاءت من بعيد
تأليف: اكيرا ميزوباياشي
الناشر: غاليمار باريس- 2011
الصفحات: 268 صفحة
القطع: المتوسط
