يردد المؤرّخون أن تاريخ الإنسانية هو تاريخ حروب بالدرجة الأولى. لكن هل يمكن وضع نهاية لها؟. هذا هو بالتحديد موضوع اهتمام الكاتب والسياسي الأميركي خلال إدارة الرئيس الأسبق بيل كلينتون، ويحمل الكتاب عنوان: (كيف توضع نهاية للحروب) مع عنوان فرعي يقول: (لماذا ستخوض دائما المعركة الأخيرة)؟ وتتم بالتحديد دراسة (الحالة الأميركية) وموقفها من الحروب.
في عام 1991 قادت الولايات المتحدة الأميركية الحرب ضد العراق. وفي عام 2003 عادت الولايات المتحدة نفسها لشن حرب ثانية ضد العراق أيضا. فكيف يمكن لأكبر قوة في التاريخ الإنساني الحديث أن تخوض الحرب مرتين ضد نفس الخصم في غضون فترة لا تتجاوز عقدا واحدا من الزمن؟
يسأل مؤلف هذا الكتاب ثم يشير مباشرة إلى أن أميركا انتصرت عسكريا بسهولة على العراق لكنها لم تحضّر جيّدا فيهما فترة ما بعد الحرب.إن السبب الأساسي الذي يقدّمه المؤلف للفشل الأميركي في فترة ما بعد الحرب هو أن الأميركيين (ينسون دائما) جوانبها السياسية. وهو يشرح عبر التعرّض لجميع الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في القرن الماضي، العشرين، أن القادة الأميركيين ركّزوا جهودهم دائما في تحقيق هدف الانتصار على العدو. وتناسوا إلى حد كبير بالمقابل مسألة خلق واقع ثابت ومستقر بعد الحرب. ويؤكد القول ان الحربين الأخيرتين تثبتان هذه القاعدة التي سادت دائما في السلوكية الأميركية.
ويعود المؤلف من أجل تثبيت ما وصل إليه من نتائج إلى تجارب القادة الأميركيين بمسألة الحروب خلال القرن الماضي. ويشير أن وودرو ويلسون خاض حربا من أجل جعل العالم أكثر أمانا واستقرارا بالنسبة للديمقراطية. كانت تلك هي النتيجة التي أراد أن يستخلصها من الحرب العالمية الأولى. وهكذا (عامل أصدقاءه وخصومه على أساس بناء مستقبل أكثر سلاما بواسطة الديمقراطية والتجارة والحرّة وعصبة الأمم).
لكنه لم يطرح أبدا على نفسه، كما يرى المؤلف، مسألة ما تعنيه الديمقراطية حقيقة ولم يفهم أن (اتفاقية فرساي) والشروط المذلّة التي تم فرضها على ألمانيا كانت الخلفية التي قادت إلى الحرب العالمية الثانية. ثم إن الحزب النازي وصل إلى السلطة عام 1933 بواسطة الانتخابات الديمقراطية. ويخلص المؤلف إلى القول ان (ويلسون) كان بارعا في تنفيذ الحروب، ولكن ليس في التعامل مع نتائجها.
وفرانكلين روزفلت كان حريصا على أن لا يكرر الأخطاء التي وقع فيها ويلسون، ولكنه لم يقدّر هو الآخر عقدها مع ستالين بالنسبة لفترة ما بعد الحرب. وإدارة ترومان لم تكن لها أية خطط واضحة لفترة ما بعد الحرب الكورية. وإدارتا كندي وجونسون انخرطتا حتى العمق في الحرب الفيتنامية، لكن دون معرفة كيفية الخروج منها. ولذلك كان من المستحيل على نيكسون وفورد الخروج منها دون خسائر كبيرة.
وإذا كان المؤلف يؤكد على غياب الرؤية الإستراتيجية لدى القادة السياسيين الأميركيين لفترات ما بعد الحروب، فإنه يشير بالمقابل إلى أن بعض العسكريين أبدوا دائما قلقهم. وينقل عن الضابط (ستيفن بيترسون)، الذي ساهم في إعداد خطة الحملة البريّة الأميركية على العراق في حرب 2003 قوله بعد الحرب: (قبل شهر من بداية الحرب انتهت مجموعة تخطيط المرحلة الرابعة إلى أن الحملة العسكرية قد تخلق شروطا تتناقض مع أهدافها الإستراتيجية.
«وأشار المخططون أن هذه المرحلة ترمي إلى تحطيم جميع آليات الرقابة لدى النظام العراقي وقد تلي ذلك الفترة التالية لانهيار النظام والتي سوف نواجه خلالها أكبر الأخطار بالنسبة لأهدافنا الإستراتيجية. ومن الأخطار المتوقعة تدفّق أعداد كبيرة من الإرهابيين إلى العراق وتصاعد النشاطات الإجرامية والأعمال المحتملة لأنصار النظام القديم وفقدان الرقابة على أسلحة الدمار الشامل التي كنّا نعتقد بوجودها».
"كما حددت المجموعة ضرورة اتخاذ بعض الإجراءات النوعية خاصة التخطيط لفرض الرقابة على الحدود ولتحليل الميادين الرئيسية والبنى الأساسية التي تنبغي حمايتها مباشرة وتكريس الأموال اللازمة لفرض الرقابة سريعا على عموم العراق».
هذه الملاحظات الدقيقة الصادرة عن خبراء من أعلى المستويات، كما يشير المؤلف، جرى رفعها إلى أصحاب القرار العسكريين الأميركيين (لكن المخططين فشلوا في إقناع القيادة العامة وسقطت النصائح المقدّمة دون مقاومة كبيرة). وهكذا لم يكن بمقدور المسؤولين "رؤية" ما هو أبعد من الانتصار في الحرب ذاتها.
لماذا؟ يجيب (بيترسون) نفسه: (تربّى المخططون والقادة العسكريون على رؤية الصراع أنه ضد ممالك الحرب وبالتالي أولوا أهمية أقل لمسائل ما بعد الحرب. لم تكن الحرب قد بدأت، وقبل أن تنتهي عندما طُرحت تلك المسائل. لكن أي أحمق كان يستطيع أن يعارض المجهود الحربي من أجل أن يجيب على الظروف التي يمكن أن تخلقها).
ليس من المهم التفكير بكيفية الانتصار في الحرب فحسب، ولكن الرؤية الواضحة لفترة ما بعدها هذا ما يخلص إليه مؤلف هذا الكتاب، مؤكدا أن الحرب هي أيضا (فعل سياسي). وينقل عن (كارل فون كلاوزفتس)، منظّر الحرب الألماني الشهير، تعريفه قبل عدة قرون الحرب بأنها (فعل سياسي... ذلك أنها استمرار للسياسة بوسائل أخرى). الأميركيون لم يحفظوا أبدا هذا الدرس.
وعشية الحرب الأميركية ضد العراق قال (تومي فرانك) مسؤول القيادة الأميركية الوسطى لنائب وزير الدفاع: (انتبهوا إلى اليوم الذي يلي الحرب، وأنا أتكفّل بيومها).
الكتاب: كيف توضع نهاية الحروب
تأليف: جيديون روز
الناشر: سيمون وشستر نيويورك 2010
الصفحات: 432 صفحة
القطع: المتوسط
How wars end
Gideon Rose
Simon and Schuster- New York- 2010
432 p .
