صارع المسرحيون اللبنانيون العدمَ بكل ما امتلكته أيديهم في الحرب الأهلية، ثمَّ وقعوا ما اقترفته مساهماتهم، خلال هذه الحرب. هكذا يرى الكاتب والمسرحي اللبناني عبيدو باشا عبر تجربته كناقدٍ حال المسرح في لبنان. ولذا فلم يعد أحد بريئاً عن قصد أو غير قصد، وهذا ما دفعه لأن يضع أغلب المسرحيين اللبنانيين على سريره سواءً كانوا أصحاء أو مرضى.
لكنَّه اعترف لهم أنَّهم استطاعوا أن يبتدعوا آلياتهم الحياتية في الحرب، التي التحمت بالواقع المحلي وتعمقَّت فيه بعد أن تفحَّصته وقلبت مضامينه على وجوهها وهي تطارحه الأسئلة. فَوُجِدَ روجيه عساف على الكمائن في الشياح في مقابل كمائن عين الرمانة، والتحم الرجل بجسده في مشروع ضد مشروع آخر، فقفز فوق القبائليات والعشائريات والعائليات والمذهبيات والطائفيات.
وبعد الحرب وُجِد روجيه عساف في مشاريع مضادة، كمشاريع جهات وطوائف، فيما بقي جلال خوري في حسابات الحزب الشيوعي اللبناني، إذ بقي في «المنطقة الشرقية»، بينما بقي الحزب وقيادته في «المنطقة الغربية»، وشكَّلت المسافة بين المنطقين نقطة ضعف المثقفين الديمقراطيين في المنطقة الشرقية.
لذا التحقوا بمواقع القوى لكي يحموا أنفسهم، أو لغايات أخرى، وتركوا المنطقة إلى منطقة أخرى. حيث ترك زياد الرحباني «بلونة» إلى شارع الحمراء، واتُّهم جلال خوري بتقديم خدمات إلى «قوى المعسكر الآخر»، وبكتابة إحداثيات ساهمت في تصفير مدافع قوى المعسكر الآخر. وأضحى إدوار البستاني مسؤولاً في القوات اللبنانية، كما تبوَّأ مسؤوليات الشعبة الخامسة.
وهي شعبة ذات دور خطير تقوم على حضانة الأفراد بالتحفيز الفكري والسياسي، وأصبح الرجل المسؤول الإيديولوجي عن قطاعات القوات اللبنانية العسكرية. كما انتهت «حركة الوعي» في واحدة من نذر انقلاب الأوضاع على الأوضاع. وسافر بول شاؤول، ثمَّ عصام محفوظ، وبقي يعقوب الشدراوي في منطقته لإقامة موقف.
ونفس الشيء حصل لـرئيف كرم. وبقي ريمون جبارة في وحدة فريدة-غير منشودة- بين الفكر واللغة، وبين الواقع والحياة فانتظم وجوده الجسدي والحسي في توأمة فريدة مع مشاريع الرئيس اللبناني السابق أمين الجميل، وترأس المجلس الثقافي للبنان الشمالي، ثمَّ سلَّمه أمين الجميل تلفزيون لبنان، وأضحى ريمون جبارة رئيس مجلس إدارة، مدير عام تلفزيون لبنان في أشد لحظات الانقسام اللبناني سفوراً.
ويتعرض الكتاب لتواتر الإشاعات كالتعاويذ السرية في الأكوان البدائية للمسرحيين اللبنانيين، كشائعة مشاهدة ريمون جبارة على حاجز للحزب السوري القومي الاجتماعي، ثم وضع شكيب خوري في إقامة غير حرة، واختفاء منير أبو دبس، وانتماء أحمد قعبور إلى منظمة العمل الشيوعي، وتعرَّض حسام الصباح إلى محاولة اغتيال في الجنوب اللبناني، لأنَّه أحد كوادر منظمة العمل الشيوعي.
وأنتجت علاقة الفنانين والمثقفين بالحرب وبتنظيمات الحرب إلى أبرز أشكال التعبير، حيث قادهم حلمهم إلى قيمهم الجديدة، فابتدعوا فلسفاتهم الجديدة في عمليات إعادة إعمار ذواتهم في تجربة وجودية لاهبة، وبنوا واقعهم العاصف، المفتون بإغواء برد النهايات الطيبة، وشخصنوا إيمانهم ــ بذلك ــ خارج الفضاءات العامة، وطرحوا أسئلتهم حول دور الفن في صياغة سؤال الحرية وسؤال الدين. ويستعرض الناقد عبيدو باشا أسماء عدد من المسرحيين اللبنانيين، ومدى أثرهم على الحياة المسرحية، حيث اعتبر روجيه عساف بطل تجارب دمغت حضوره مجموعة من المسرحيات البارزة في تاريخ المسرح اللبناني، إذ بقيت المسرحية حدث حياته في لبنان والعالم العربي.
أمَّا أسامة العارف فيقول إنه استيقظ محاطاً بأبخرة لا علاقة لها بدخان الحرائق، فمرَّ في نفق المسرح بتبدلات كبيرة، وقد كشفت هويته ككاتبْ جائزةُ المؤسَّسة الدولية للمسرح، حيث حاز جائزة أحسن نص عربي، بل الجائزة الثانية بعد جائزة أنطوان معلوف في «الإزميل»، كما حملته «إضراب الحرامية» إلى البعيد، فقيَّضت له منحة السفر إلى ألمانيا وفرنسا لمشاهدة المسرح العالمي فتعزَّزت قناعته بدور المسرح. وبقيت علاقة أسامة العارف بالحزب الشيوعي اللبناني علاقة إشكالية، لأن الحزب لم يُعجب بأي من مسرحياته، ومضت مسيرته بصمت، منذ ستينات القرن العشرين وحتى بدايات القرن الواحد والعشرين.
الكتاب: هكذا / دراسة
تأليف: عبيدو باشا
الناشر: دار الآداب ــ
بيروت 2010
الصفحات: 766
القطع: الكبير
