يبيّن كتاب «تاريخ حلب المصور» لمؤلفه علاء السيد كيف دخل العثمانيون مدينة حلب بقيادة السلطان سليم الأول الملقب بـ «ياوز سليم»، بعد معركة «مرج دابق» في شمال حلب، الذي انتصر على المماليك وقتل فيها سلطانهم قانصوه الغوري عام 1916.
في هذه الفترة كانت حلب تعتبر الولاية الثانية في الإمبراطورية العثمانية بعد اسطنبول، في إمبراطورية كبيرة لها أنظمتها ودواوينها ومجالسها ومحاكمها ومشاريعها وإنجازاتها، كما كان يختار لها دوماً ولاة من أصحاب المراكز العالية في الدولة، ومجالس الولاية والمجالس البلدية تتألف من أشخاص معروفين في مجال الشريعة أو الإدارة أو الزراعة أو التجارة أو الاقتصاد.
تاريخ وشواهد
يبدأ الكتاب بالفترة الزمنية للإسكندر المقدوني، حيث تأتي الحفريات الأثرية الحديثة في القلعة لتشير إلى وجود معابد لحضارات موغلة في القدم، وإشارة باحثين لتأسيس مدينة جديدة مكان مدينة حلب القديمة عام 321 ق.م بأمر منه، كما أبدل سلوقس الاسم القديم للمدينة باسم إغريقي جديد هو «بيرويا»، وجلب إليها المياه في أقنية أرضية من ثلاثة ينابيع من منطقة «حيلان».
وأوصل هذه الأقنية إلى ساحة المدينة، كما بنى المسلمون في الساحة العامّة الواقعة أمام الكاتدرائية جامعهم الأموي الكبير. كما يتعرض لحرق حلب من طرف نقفور فوكاس عام 962، حيث دمّرها تماماً ودمّر مسجدها الجامع، في نزاعه الشهير مع سيف الدولة الحمداني، كما دمّر أجزاء هامة من أسوار المدينة وتركها مهملة لمصيرها، وهذه المرحلة هي التي حفزت السكان إلى جعل الحارات مستوطنات مغلقة على نفسها، فيها أسواق محلية تؤمّن اكتفاء ذاتياً، وكانت للحارة بوابة كبيرة توفر بعض الأمان للساكنين داخل هذه الحارة، ولها بوابة صغيرة، توفر المزيد من الأمن عند إغلاقها.
ومع قيام دولة السلاجقة الأتراك وتنصيبهم سلاطين على أراضي الخلافة العباسية، وصل الأتابك عماد الدين الزنكي إلى حلب، وجعلها قاعدة لملكه، حيث قام ابنه نور الدين زنكي بإعادة الجامع الكبير ونصب منارة فيه، ثم قام بإصلاح السور كاملاً مع ترميم القلعة وإعادة إحيائها، كما شيد المدارس الدينية الضخمة ومستشفى حديث هو «البيمارستان النوري»، ورمَم القناة ووسعها لتصل إلى الأحياء الجديدة.
وخلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، وصولاً حتى بداية القرن الثامن عشر توسعت المدينة باتجاه الشرق، عندما قدم إليها الانكشاريون وقطنوا الأحياء الجديدة، كما سُكن حاضر حلب من الجهة الجنوبية الشرقية. وفي عام 1866 شكلت الحكومة العثمانية ولاية حلب المستقلة عن ولاية سورية، وعينت لها والياً هو جودت باشا، صاحب الكتاب المشهور «تاريخ جودت»، وقد تعرضت حلب في عام 1822 إلى زلزال كبير تهدمت أركانها على إثره، لكن حركة البناء والإعمار عادت تدريجياً إلى المدينة بعد هذه الكارثة.
ويتابع الكتاب في الأحياء التي نشأت حديثاً، فيبدأ بنشوء «حي الكتاب» الذي يقع خارج الأسوار، وقد لجأ إليه الأوروبيون الذين كانوا يقيمون داخل الأسوار خشية تعرضهم لزلزال جديد في مناطق محصورة، وهي العزيزية، حيث خرج المسيحيون من حي الجديدة وسكنوا في الحي المسمّى بحي العزيزية، بدءاً من عام 1868، كما نقلت أغلب القنصليات الأجنبية إلى هذا الحي، إضافة إلى بيوت المسيحيين الأغنياء، كما أنشئت حارة «النيال» عام 1878، نسبة إلى محمد بن عمر النيال، الذي بنى بيتا، جعل آخرين يسكنون إلى جواره.
يذكر الكتاب أنه في عام 1880 تمّ تعيين والٍ لحلب اسمه المشير حسين جميل باشا، وكان من أشهر ولاتها، حيث سميت محلة الجميلية باسمه بعدما انشأ قصره فيها، وقد اشترى أحمد الكيخيا داراً أمام القلعة في منطقة الفرافرة وهدمها وأعاد بناءها بعدما استعان بمهندسين من اسطنبول، وهي مؤلفة من ستين غرفة واشتهرت باسم «قناق الكيخيا».
أشار الكتاب إلى أنه في عام 1893 م بنت البلدية قصراً جديداً في أرض كانت تعرف بـ «جنينة الناقوز»، خصّص لسكن ولاة حلب بدلاً من القصر الذي كان يسكنه جميل باشا، وتقاضت البلدية أجرة زهيدة من الوالي لقاء إقامته في ذلك القصر، وفي عام 1896 اهتمت البلدية برحبة السقاية المعروفة بسبيل الدرويش بالقرب من قهوة البلدية، فسيّجت الأرض وعمرت فيها غرفتان وبستان فسيح لنزهة العموم وحوض ماء ونصب فيه دولاب هواء جلب من أميركا لسحب الماء من بئر موجود هناك ليصب في الحوض ويجري فيه.
وتكلف ما يزيد على عشرة آلاف ليرة ذهبية عثمانية، فخرج الحلبيون بأغنية شعبية رواها الأسدي في موسوعته تقول: «عطشان يا صبايا دلوني ع السبيل.. الروحة بالعربية والرجعة بالترومبيل»، كما وضع في عام 1898 حجر الأساس لمنارة الساعة في باب الفرج، وقد بلغ مصروف البناء نحو 1500 ليرة عثمانية، واكتملت عمارتها عام 1899 وفق الكتابة المحفورة على بناء الساعة، كما تمّ افتتاح مخفر العزيزية في عام 1900 على نفقة سكان المحلة، وفي ذات العام تم إنشاء الحديقة المعروفة بالمنشية الصغيرة.
ويستطرد المؤلف أنه في عام 1914 نزلت في محلة السبيل طائرة عثمانية يقودها طياران عثمانيان شابان، كما بوشر ببناء قشلة الألمان التي ضمّت جنوداً وضباطاً تواجدوا في حلب كحلفاء للجيش العثماني في الحرب الأولى، كما اشترى الجيش العثماني القصر الذي كان يسكنه ولاة حلب في الجميلية من مالكته عام 1916، بسبعة آلاف ورقة نقدية وتحوّل إلى مدرسة للفتيات باسم «مكتب سليمان الحلبي»، وخلال الحرب الأولى أحضر الضباط الألمان المقيمون في فندق بارون محركاً لتوليد الكهرباء يعمل على الديزل وأناروا الفندق بمولدة الكهرباء، وكانت هذه هي المرّة الأولى التي يرى فيها الحلبيون الأنوار الكهربائية.
ويستطرد أنه في عام 1918 دخلت القوات العربية بقيادة الشريف ناصر حلب، كما دخلتها القوات البريطانية بقيادة الجنرال ماك أندرو، وعين الفريق محمد كامل باشا القدسي حاكماً عاماً، وبدأ الحكم الفيصلي لينتهي العهد العثماني في حلب. ويمتلئ الكتاب بالصور، حيث يعزز الكاتب استشهاداته بالصور الشخصية وصورة المباني والأحياء والشوارع.
