مفاهيم موسعة لنظرية شعرية المغربي الدكتور محمد مفتاح مشروعه النقدي الجديد، مفاهيم موسعة لنظرية شعرية في ثلاثة أجزاء، وهو البحث الذي نال عليه جائزة الشيخ زايد في مجال النقد، والذي يشكل إضافة مهمة لمشروعه النقدي من جهة، وللتجربة النقدية العربية المعاصرة، من حيث انفتاحه على أحدث اكتشافات العلوم والمعرفة في عالم اليوم، في محاولة للكشف عن صناعة الشعر وأبعاده كما يقول الناقد في مقدمة كتابه. وتقوم هذه النظرية على التواشج والتكامل بين النظريات والمفاهيم المستمدة من العلوم المعرفية، عبر توظيف المبادئ المشتركة بين الشعر وغيره من الفنون والعلوم.
وقد تجلت تلك النظرية في ثلاثة مستويات هي اللغة والموسيقى والحركة، باعتبارها تمثل الجذر الذي تتغذى منه الجذوع والأغصان. وللتعريف بتفاصيل هذه النظرية لجأ الناقد إلى توزيعها على ثلاثة كتب، حيث حمل الكتاب الأول منها عنوان مبادئ ومسارات، وهو مجال عرضنا هنا. وتناول القسم الأول منه المبادئ المعرفية والمبادئ الحركية والمبادئ التوليفية والمبادئ التنظيمية.
وفيها يكشف عن الأسس التي تستند إليها هذه المقاربة، والمتمثلة في مكونات الجسد البشري، وما لديه من أنساق سمعية وبصرية وذوقية ولمسية، إضافة إلى ما يحتوي عليه الدماغ الإنساني من عناصر، وما يحيط به من منبهات ومحفزات، إلى جانب الكيفية التي يتفاعل بها الدماغ مع محيطه من موسيقى ولغة وحركات وتذكارات وانفعالات وتصورات واستعارات.
وذلك أن هذه التفاعلات الدماغية الذهنية المحيطية تنتهي إلى حركة وعمل. ويكشف الناقد عن الهدف الذي تسعى لتحقيقه هذه المقاربة النقدية، والمتمثل في إعادة الحياة إلى القول البشري. في تناوله للمبادئ المعرفية يتحدث عن وسائل الإدراك المتمثلة في الحواس، مؤكدا التركيز على حاستي البصر والسمع بالاعتماد على النتائج التي توصل إليها الباحثون في مجال وظائف وهندسة الدماغ والأعصاب، ودور الذاكرة في الاستفادة من تجارب الإنسان السابقة. ولعل الصعوبة في فهم ما يقدم من نظريات ومفاهيم أنها بالغة التخصص، وتتسم بالجزئية في اختياراتها.
وينتقل المفتاح من تناول دور الحركة الناتج عن المنبهات الداخلية والخارجية عند الإنسان إلى دراسة الدور الذي تقوم به الحركة التي ترتبط بعلاقة جدلية مع السكون، لأن كلا منهما يفترض وجود الآخر. وقبل الخوض في هذا المجال يتحدث عن مجموعة مفاهيم تدل على نشاط الكون وخموده يجملها في ثلاثة مفاهيم هي علم الحركة والتحرك ونوع الحركة، لينتقل بعدها إلى شرح كل مفهوم .
كما جاء في نظريات الميكانيكا، وعند الفلاسفة القدماء والحديثين الذين يرون أن ما يسود الكون ويوجهه هو القوانين الاحتمالية، وليس القوانين الحتمية. وينتهي من خلال العرض الواسع إلى دراسة حركة الشاعر بتركيبها ودلالتها ورمزها وتحليلها الذي يقتضي التفريق بين وضع المعاينة لحركة الشاعر أثناء إلقائه لشعره.
حيث يؤكد على ضرورة الاهتمام بتلك الحركة، من خلال تصنيفها وتحليلها في ضوء المعطيات السيمائية التي تهتم بالصورة، ووضع المشاهدة. أما المبادئ التوليفية فيقصد بها الأوليات الرياضية المنطقية لتنظيم المعرفة واستنباط المجهول من المعلوم، حيث يشير ما يتميز به الفكر البشري من خضوع لمبدأ التشابه والاختلاف من حيث إن كل شيء يشبه كل شيء في جانب ما، ويختلف عنه في جانب آخر. كذلك يتناول رمزية الأعداد والأشكال ونظرية التقابلات عند أرسطو ومنطق الجهات.
ويأتي الفصل الرابع الذي يتناول فيه المبادئ التنظيمية تتويجا للفصول السابقة، لأنه سيقدم مجموعة من وجهات النظر حول نظام الكون وتناغمه عبر التاريخ، كما تجلت في الآداب وفي العلوم والأديان واللغة والرؤية الشعرية التي تمثل جوهر انتظام الكون وتناغمه، كونها تشكل جماع ما تفرق في غيرها من نظريات ذلك أنها تجمع بين التعبير باللغة والخيال والتعقل الأمر الذي يدفع الناقد إلى تناول المبادئ التنظيمية في ثلاث حقب هي حقبة ما قبل القرن السادس عشر وحقبة ما بعده حتى النصف الثاني من القرن الماضي والحقبة المعاصرة، ثم أعمل النظر في مجموعة من النصوص الشعرية، التي تكشف عن مبدأ الحياة، ومبدأ الاتصال ومبدأ الوحدة من خلال الصيغ التي يقدمها النص الشعري المدروس.
وفي القسم الثاني من الكتاب الذي حمل عنوان مسارات يعمل على إظهار تجليات الأنساق الحسية، وملكات التنظيم والتوليف في مجال الموسيقى والشعر واللغة، وعلاقتها بفضاء المكان الشرق أوسطي الذي تتفاعل معه باعتبار هذه المنطقة مركز العالم في التصورات الثقافية والدينية والجغرافية في العصور القديمة والعصور الوسيطة.
من جهة أخرى يوضح ما سوف تهتم به الدراسة في هذا القسم، وهو إبراز الرؤى المتماثلة التي كانت تعتقد بانتظام الكون والتي سيتخذ منها جزءا من مشاغل البحث، باعتبار الشعر منظما للكون ومدبرا له بطريقته الخاصة التي تسمح بها اللغة كما يقول، خاصة وأن هذه الرؤى تشكل لبّ الفكر الإسلامي .
يوزع البحث على أربعة فصول هي سحر الأعداد والأشكال وتوليف الأنغام وبلاغة الألحان وتناغم الأكوان بالاعتماد على كتاب الموسيقى لنتليانوس وعروض الخليل بن أحمد ومنهاج حازم القرطاجني وروضة التعريف لابن الخطيب وشعره. ويتميز البحث بالتحليل المرفق بالجداول والسلالم الموسيقية بهدف توضيح المفاهيم والأفكار والحالات التي تقود إلى الكشف عن تناغم الأكوان بالشعر، الذي يستطيع القارئ عبره تمييز أشكال الحروف وكيفية كتابة الكلمات والتراكيب والصور ومعرفة مقدار مساحة البياض، ثم يشير في نهاية الكتاب إلى أن المبادئ التي قدمها في هذا الكتاب كانت ذات طبيعة مزدوجة مجردة ومعينة ومتصلة ومنفصلة في آن معا، حيث سيحاول في الكتاب الثاني وضع تلك المبادئ على محك الاختبار من خلال الإجابة عن الأسئلة التي سوف سيقدمها.
