تستنتج الباحثة والكاتبة الجزائرية آمنة بلعلي، في دراستها التي صدرت تحت عنوان تحليل الخطاب الصوفي أن المتصوِّفة لم يكن هدفهم في البداية الدخول في حوار أو صراع لفرض منهج فكري أو تربوي في الحياة، يناقض ما كان سائداً، إلا أنَّ خطابهم كان يعكس ذلك التناقض الذي يوحي بالقوَّة الحيوية للقصد الأدبي، والتي شكل قطباها وعي الكتابة والقراءة، أو اللفظ الذي دلُّوا به على الطريق إلى الله.
فالصوفي الذي اختص بالكشف مكَّنه الله من أن يرى بعين البصيرة ما لا يُدرك إلا بها، وما إن يصل حتى يرى المعاني الإلهية في صور المحسوسات، فتتجسَّد في الصور وأنها هي، ومن هنا يمكن أن تفهم رمزية الصور التي يجسِّدها خطاب الغزل أو الخمر.
كما أن التجلي كمفهوم ومعاينة سمح للمتصوِّفة بأن يروا العالم رغم رمزية أشكاله، غاية في الجمال؛ لأنَّه يمثل ظاهرة الألوهية التي ليست سوى أعيان صور الموجودات، حسب المتصوِّفة، حيث كان المتصوِّفة الأوائل يؤسِّسون علاقتهم بالله وفق وقع الدهشة المعرفية التي تجلَّت فيما بعد في شكل بوح خضع لمنطق تلك الدهشة.
وترى الباحثة آمنة بلعلي أنَّ الإحساس بضيق العبارة قاد المتصوِّفة ومنهم النفري والتوحيدي إلى اشتغال واسع ومتميز عليها، فأصبحت اللغة عندهما أفعالاً تنجز باستمرار، والكتابة ممارسة اشتهاء يبدو فيها الكاتب في كل كلمة منها منشغلاً بخلق أسلوب في اللذة، وسلطة للإغراء المعرفي والجمالي، فبدت نصوصهما غير قائمة على بلاغ أخبار أو معارف، أو البحث عن كل الأساليب من أجل إبلاغها للآخر، بقدر ما هي تبليغ يقوم على المشاركة في عملية التخاطب، والذي لا ينزل الألفاظ نزول المعاني على المفردات في المعجم، بقدر ما تنشأ وتتكاثر وتتعرف من خلالها، لذلك كانت نصوصاً بلغ بها صاحباها أعلى مراتب الحوارية.
ويضيف الكتاب أن التجربة الصوفية كسلوك نُظر إلى ممارستها بمقدار ما أحدثته من تصدع في البنية المعرفية، كما أن خطابها جرى في فضاء كان قطباه مرسلاً ومتلقياً، صدم أحياناً عندما لم يستطع التوفيق بين ردود أفعاله وآفاق المتصوفة، التي حملتها تلك العبارات المستغربة التي يعبِّر بها الصوفي عن علاقته بالله.
ويرى المتصوِّفة «أنَّ الأولياء منهم لهم معارج وإسراءات روحية يشاهدون فيها معاني متجسِّدة في صور محسوسة للخيال، كما يعطون العلم بما تتضمَّن تلك الصور من المعاني، ولهم الإسراء في الأرض وفي الهواء، غير أنه ليست لهم قدم محسوسة في السماء؛ ولهذا زاد على الجماعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بإسراء الجسم، واختراق السماوات والأفلاك حسَّاً، وقطع مسافات حقيقية محسوسة، وذلك كله لورثته معنى لا حساً من السمـــاوات فما فوقهـــا. فمعارج الأوليــــاء معـــارج أرواح ورؤيـــة قلــوب وصــور برزخيـــات ومعـــان متجسدات».
ولعلَّ أول معراج صوفي رؤيا أبي يزيد البسطامي، التي كانت الوحدة الدلالية الأساسية، وفي الوقت نفسه الحافز السردي الذي أسهم به البسطامي في إشاعة الجو القصصي، ونشأة النوع السردي عند المتصوفة،
ا.م
الكتاب: تحليل الخطاب
الصوفي/دراسة
تأليف: آمنة بلعلي
الناشر: الدار العربية
للعلوم بيروت،
منشورات الاختلاف
الجزائر، 2010
الصفحات: 364 صفحة
القطع: الكبير
