أثارت «الفضيحة» الخاصة بمحاولة الاعتداء على إحدى عاملات الفنادق الكبرى في نيويورك المتهم بها دومينيك ستروس كاهن، المدير السابق لصندوق النقد الدولي، الكثير من الأحاديث والتعليقات. خاصة أن المعني كان أحد المرشحين الأقوياء المحتملين لخوض الانتخابات الرئاسية في العام القادم 2012 عن الحزب الاشتراكي الفرنسي. وقبل أيام قليلة من انفجار تلك الفضيحة عرفت رفوف المكتبات الفرنسية، كتابا للصحفي ميشيل نوبمان تحت عنوان «القصة الحقيقية لدومينيك ستروس كاهن».

ويشير المؤلف بداية أن اسم «دومينيك ستروس كاهن»، المدعو «جيلبير ستروس» كان مزيجا من اسم أبيه الحقيقي ستروس وأبيه بالتبني كاهن. وينقل عن مدير صندوق النقد الدولي السابق قوله: «إذا كنت قد أردت خلال سنوات شبابي أن يدعوني ستروس مثل أبي، فقد حرصت منذ سنوات السبعينات على تسمية ستروس-كاهن.

كما هو موجود في الأحوال المدنية. وكانت تلك طريقة لإظهار تعلّقي بجدّي وأيضا لتأكيد هويتي اليهودية، التي كانت قد استيقظت من خلال حرب الأيام الستة في شهر يونيو 1967 ثم حرب الغفران عام 1973». أما والدة دومينيك ستروس كاهن، فقد عاشت في تونس حتى سن الرابعة والعشرين. كانت قد قدمت إلى العاصمة الفرنسية باريس عام 1943، حيث درست القانون والتاريخ لفترة ثم عملت في إحدى المجلات الاشتراكية. وإثر خلاف لها مع مالك الشقة التي استأجرتها لجأت إلى المستشار القانوني في الحزب الاشتراكي جيلبير ستروس. وينقل عنها المؤلف أنها كتبت عن ذلك اللقاء: «لقد احتفظت بالشقّة ووجدت زوجا».

في شهر أبريل 1949 أنجب الزوجان دومينيك قبل انتقال الأسرة عام 1951 إلى أغادير بالمغرب كي يعمل الأب في مهنة المحاماة، واصطحبوا معهم فتاة ألمانية، حيث كان الأب يريد أن يتعلم أطفاله لغة غوتة مثله ومثل جدّهم وأجدادهم القدامى من منطقة الألزاس.

ويشرح المؤلف أن الأسرة عاشت أياما سعيدة في أغادير إلى أن تحطّم الحلم، بسبب الهزة الأرضية التي أصابت المدينة شهر فبراير 1960. وينقل عن دومينيك ستروس كاهن قوله عن ذكرى تلك المأساة: «صمدت البناية لكن الشقة اهتزت وعمّت فيها فوضى الأثاث المبعثر». بعد ذلك الزلزال الرهيب كانت العودة من جديد إلى فرنسا.

ومما يقوله المؤلف عن دومينيك ستروس كاهن هو أنه يتسم بـمفارقة ظاهرية. ذلك أنه يجمع بين تعلّقه العميق بإسرائيل وبتعاطفه الصادق حيال العالم الإسلامي. وكان قد بدأ في سنوات 2000 بتلقي دروس في اللغة العربية حيث لم يحتفظ من تلك اللغة سوى بعض ما كان قد تعلّمه في طفولته. وينقل المؤلف عن زوجة ستروس ـ كاهن الأخيرة ،الثالثة، آن سان كلير الإعلامية الفرنسية الشهيرة السابقة قولها: «لم يسمح له وقته بمتابعة دروس اللغة العربية، أما أنا فقد تابعتها، ودومينيك يفهم حوارا يدور أمامه باللغة العربية، لكنني أتفوّق عليه في الكتابة».

ومن خلال التركيز على التحليلات التي يؤكّد المؤلف فيها على تعلّق ستروس ـ كاهن وزوجته بإسرائيل وتعاطفهما مع العالم العربي ـ الإسلامي، يخلص إلى القول: «إن هذا الثنائي السياسي-الإعلامي الذي توجّه له أحيانا تهمة التعصّب للصهيونية يهتم ويعرف حقيقة العالم العربي- الإسلامي وثقافته». ويكرّس المؤلف الكثير من صفحات هذا الكتاب للحديث عن علاقة دومينيك ستروس مع النساء.

وتحت عنوان «الحب الأول» ينقل عن هيلين دوما قولها: «أتذكر دومينيك على شاطئ البحر. كان ذلك في شهر يونيو 1963 وكنّا نشارك في نزهة مع طلبة آخرين من مدرستنا الثانوية. وقد هام حبا بي». وينقل عن دومينيك قوله لأمه: «هذه هي الفتاة التي أستطيع أن أتحدث معها في الفلسفة وأرقص الروك في الوقت نفسه». لكن أهل دومينيك، العلمانيين والماسونيين، ظلاّ متمسكين بالتقاليد اليهودية.

وفي عام 1967 فشل دومينيك ستروس-كاهن في امتحان الدخول إلى المدرسة التجارية العليا. وفي مثل ذلك السياق الصعب آنذاك، وأمام رفض هيلين دوما أي عيش مشترك بدون زواج رسمي لم يعترض أهل دومينيك على زواجهما، ليصبح دومينيك «طالب ثانوية ومتزوّج». وفي عام 1983 التقى دومينيك ستروس كاهن بـبريجيت غوبوميت ابنة الثلاثين سنة مثله. اعتقد بعض أصدقائه أنها هبّة المراهقة المتأخرة. لكنه طلّق هيلين وتزوج بريجيت وأنجبا ابنتهما كامي عام 1985.

لكن نجمة التلفزيون آن سان كلير دخلت في حياته عام 1989 ولم تخرج منها. وبعد فترة قصيرة من علاقتهما تزوّج المرأة التي يحلم بها أغلب الفرنسيين. كان ذلك في خريف عام 1991، وكان حفل الزواج قصيرا، حيث حضره أولاد الزوجين الستة- من زيجات أخرى وباركه حاخام يهودي. أما الزوجتان الأولى والثانية لدومينيك ستروس كاهن، كانتا مسيحيتين. وبالطبع يحظى المسار السياسي لدومينيك ستروس كاهن بعدد كبير من صفحات هذا الكتاب، وذلك منذ سنوات شبابه كمناضل في صفوف الحزب الاشتراكي وحتى وصوله إلى الموقع الذي كان يبدو فيه كرئيس محتمل للجمهورية الفرنسية، لكن كانت السقطة في أحد فنادق نيويورك والتي وضعت حدا نهائيا لطموحاته السياسية.