يقع الكتاب في 224 صفحة من الحجم الصغير، ويسرد الكاتب في القسم الأول منه مواقف مع شخصيات التقاها في مسيرة حياته، وعاش معها أيامًا وصفها بأنها أيام الإحباطات والانكسارات الصادمة، لكنها في نفس الوقت كانت أيامًا مبهجة -على حد تعبيره.
من هذه الشخصيات التي كتب عنها الكاتب شخصية محمد جاد الرب، الذي يصفه بأنه صورة من البهجة والمرح في شكaلها الإنساني البدائي والبدوي البريء ولكنها براءة مختلطة بالخشونة، ويصف المؤلف هذه الشخصية بأنها مثل التين الشوكي الذي يجب أن يتحمل من يريد طعم حلاوته الشوك المقترن به، لكنه مع الاستمرار في الاحتكاك به سوف تستمر الحلاوة ويضيع أثر الأشواك من كثرة التعرض إليها والتعود عليها.
ولعل محمد جاد الرب من أكثر الشخصيات التي أثرت في المؤلف الذي اشتهر بكتاباته عن المهمشين في المجتمع المصري، ومن يصفهم في كثير من الأعمال الأدبية التي أبدعها بالشطار والعيارين والزعار والحرافيش والجعيدية، حيث اعتبر المؤلف أن شخصية محمد جاد الرب شخصية متجمعة من أوجاع الشعب المصري في قاعه السحيق، ويعبر عن الفئات المعدمة المقهورة، وهي الفئات التي كتب عنها شلبي في كل أعماله.
ويتناول المؤلف أيضا في الجزء الأول من الكتاب الذي بين أيدينا شخصيات أخرى من الواقع المصري أثرت في حياته، وظهر لها انعكاس في أعماله الأدبية مثل شخصية عبدالعليم القباني، وهو خياط من الإسكندرية يعتبره المؤلف أحد الذين أسسوا لتيار ما بعد الحداثة في الشعر المصري، رغم أنه كان بسيطًا لا يعرف مدلولات الحداثة وغيرها من مصطلحات النقد الأدبي، لكنه مع ذلك استفاد من مدرسة التفعيلة الحديثة، بالإضافة إلى مدارس شعرية أخرى مثل المدرسة التفعيلية الحديثة التي نبغ فيها عبدالرحمن الشرقاوي، نازك الملائكة، شاكر السياب، صلاح عبدالصبور، البياتي، نجيب سرور، وأدونيس وغيرهم.
أما الحاج فكري فهو من الشخصيات التي أثرت مبكرًا على وعي المؤلف الذي كان يعمل في ذلك الوقت مندوبًا لإحدى شركات البويات في الإسكندرية، وكانت لقاءات المؤلف بالحاج فكري من العوامل التي أصقلت شخصيته، ودفعته إلى أن ينخرط في الحياة الأدبية، بل وليتحول من مجرد مندوب لإحدى شركات البويات إلى واحد من أبرز الكتاب المصريين والعرب.
وفي الجزء الثاني من الكتاب يعرض المؤلف لرحلته إلى كوبا ضمن وفد ثقافي مصري ضم أيضا عددًا من كبار المثقفين والأدباء المصريين، ويعترف خلال هذا الجزء من الكتاب بأنه تأثر بالشعب الكوبي رغم قصر فترة الزيارة، ومن حسن حظ الكاتب خلال هذه الرحلة أن فارق التوقيت بين مصر وكوبا جاء متوافقا مع ساعته البيولوجية بالنظر إلى أنه كائن ليلي؛ مما أعطى لخيري شلبي الفرصة لكي يستفيد من كل ساعة خلال الزيارة، للتعرف على عادات وتقاليد وثقافة الشعب الكوبي، وهي عادات وتقاليد ثقافية وجد أنها تتقاطع مع العادات والتقاليد المصرية في بعض الأحيان.
