كان لويس ألتوسير أحد أكبر فلاسفة القرن العشرين وهو أحد المعلمين الفكريين لأجيال من الفلاسفة والمثقفين. توفي عام 1990 وكان قد قام عام 1980 بـ«عمل جنوني حيث قتل زوجته هيلين خنقاً بيديه». حوكم وحُكم عليه بالسجن لسنوات طويلة لكن الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران شمله بعفو رئاسي، نظراً لظروف «فعله» ومكانته الفكرية.
كتب مقدمة هذا العمل الفيلسوف الفرنسي المعاصر برنار هنري ليفي، الذي كان أحد طلبة ألتوسير، وهو يركز فيها على ما يسميه «حالة التمزق النفسي العميق» التي عاشها ألتوسير بين «التجريد على مستوى المفاهيم» و«حالة الفوضى الكبيرة التي كانت تسيطر على رأس الفيلسوف».
بكل الحالات لا شك أن هذه الرسائل تلقي الكثير من الأضواء حول شخصية أحد معلّمي الفكر في القرن العشرين وهي أيضاً «منجم من المعلومات» حول سيرته (تجدر الإشارة إلى أن ألتوسير كان قد نشر سيرته الفرنسية تحت عنوان «المستقبل يستمر طويلاً»).
كان لويس ألتوسير قد التقى بزوجته هيلين عندما كان لا يزال طالباً. وتنمّ رسائله لها عن حبّه العميق والصادق لها. لكن يبدو بوضوح فيها أيضاً أنه عانى «تدريجياً» من حالات من «الجموح العصبي».
هكذا يتحدث في الرسائل أيضاً عن نوع من «الميثاق الهش» الذي ساد في علاقاته الأسرية «المضطربة» بسبب «غرائز قاتلة» كانت تجتاحه. بالتالي بدت حياته «معلقة» بين حالات من العقل و«نوبات» من الهياج العصبي «الجنوني».
وإذا كانت «رسائل إلى هيلين» تحكي الكثير عن قصة الحب التي جمعت بين الفيلسوف وزوجته، فإنها تطرح أيضاً مسألة العلاقة بين «الجنون والعبقرية». كما تمثل تأريخاً فكرياً عميقاً للقرن الماضي، العشرين. ذلك عبر ما يذكره ألتوسير عن معاصريه من كتاب ومفكرين ليس أقلهم شأناً جاك لاكان وجاك ديريدا وجان بول سارتر وغيرهم. خاصة أولئك الذين كانوا مثله، طلبة في دار المعلمين العليا بباريس.
وفي مثل هذا السياق يتحدث ألتوسير عن «القطيعة» في فكر ماركس وعن «الممارسات النظرية» للمثقفين وعن «الأجهزة الإيديولوجية للدولة».
لكن هناك صورة أخرى «إنسانية» تبرز عن رسائل الفيلسوف حيث يكتب في إحداها ما مفاده: «الشمس مشرقة ووقتي موزع بين النوم وقراءة الصحف والحمّام، وحضور المسرح». ويحكي في أخرى عن تعلقه برياضات «كرة المضرب» و«سباق الدراجات» و«كرة القدم» التي نقرأ في بعض ما كتبه عنها: «سوف أحضر يوم الأحد مباراة بكرة القدم برفقة والدي، وذلك بقصد أن أثير حنقه عبر حديثي عن غباء طريقة لعب فريقه أولمبيك مرسيليا».
ويكتشف القارئ في هذه الرسائل اهتمام ألتوسير الكبير بالسينما التي يقول عنها، بعد مشاهدته لفيلم «سارق الدرّاجة»، إنها «تفرط في الهزل المجاني وفي الخفّة عندما تعالج مواضيع سياسية». لكنه يتحدث بالمقابل عن «الشخصيات الرائعة» في فيلم «الوهم الكبير» لرينوار.
وتحتوي «رسائل إلى هيلين» الكثير من آراء لويس ألتوسير حول الأحداث الكبرى التي عاصرها مثل أزمة وحرب السويس عام 1956 وحرب التحرير الجزائرية ومواقف الجنرال ديغول منها. وأحاديث عن الأسفار التي قام بها.
ويحكي أنه ذات صباح من شهر يونيو-حزيران 1971 رافق هيلين إلى محطة القطار حيث سافرت إلى إيطاليا. وقد كتب لها في رسالة بعد ثلاثة أيام من سفرها: «عند انطلاق القطار أحسست أنني بداخله وأحسست باهتزاز عجلاته الأولى (...) لقد وصلت برقيتك التي تعلميني بها أن كل شيء على ما يرام (...). أنتظر رسالتك. أقبلك بكل ما أملكه من حنان، وبلّغي تحيّاتي لكل ما نحبه في البندقية».
وفي رسالة تعود إلى عام 1961، وبعد أن يحكي لويس التوسير ما فعله خلال يومه يختم رسالته بالكلمات التالية: «لماذا أروي لك هذا كله؟ لسبب بسيط هو أني أحب أن أحكي لك أشياء كثيرة وأنني أحبك بعمق، نعم بعمق، وسوف أكون سعيدا عندما تكونين أنت في عطلة أيضا حيث سيكون بإمكاننا أن نلتقي كثيرا وطويلا».
وبعد إحدى المشاجرات «المتكررة» كتب لويس التوسير في رسالة تعود لعام 1958 ما مفاده: «لقد شجبتك من أجل سوء تصرفك ومن أجل طريقة ارتداء ملابسك وقاطعتك في الحديث أمام أهلك (...) ووبختك من أجل صلصة السلطة التي قمت بتحضيرها»، ثم يختتم رسالته بالقول: «أتمنى أن نذهب معا للتنزّه في الغابة يوم الأحد. فهذا سيجلب لنا بعض الصفاء».
هذه الرسائل كلها كتبها لويس ألتوسير عندما كان في قمة مجده الفكري وكان أستاذاً في مدرسة المعلمين العليا التي كانت «تصوغ» الفلسفة الفرنسية الرسمية منذ عقود طويلة. وأيضاً في الفترة التي أوجد فيها، عبر مفهومه عن التاريخ وأنه «محاكمة من دون موضوع»، رابطة بين الماركسية والبنيوية.
وبعد الجريمة التي قام بها عندما قتل هيلين، لجأ إلى شقة صغيرة في شمال باريس، كان يخرج أحياناً إلى الشارع ليقول للمارة: «أنا ألتوسير العظيم».لقد كان عظيماً و«مهووساً»، هذا ما تقوله «رسائل إلى هيلين».
الكتاب: رسائل إلى هيلين
تأليف: لويس التوسير
الناشر: غراسيه
باريس 2011
الصفحات: 714 صفحة
القطع: المتوسط
Lettres à Hélène
Louis Althusser
Grasset - Paris- 2011
p . 714
