عبر الاعتماد على شهادات بعض الأحياء من الذين نجوا من الموت أثناء قصف الطيران الأميركي لمدينة هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين في مطلع شهر أغسطس من عام 1945، يقدّم الكاتب الأميركي شارل بيليغرينو، كتابا تحت عنوان «قطار هيروشيما الأخير». وهو أساسا عن أحداث اليومين الأخيرين من الحرب العالمية الثانية بعد استسلام اليابان.
إن المؤلف يقدّم شهادات عن حياة سكان المدينتين اليابانيتين في ظل القصف، وحيث غيّرت عملية إلقاء القنابل الذريّة على اليابان تاريخ اليابان، وليس تاريخها وحدها فقط، ولكن تغيير تاريخ العالم كله، كما يشرح المؤلف.
الشهادات التي يقدمها المؤلف تضمّ «أصوات» بعض الذين عاشوا أحداث أول عمليات قصف بالأسلحة النووية في تاريخ العالم وعايشوا «انفجاراتها». وهم يتوزعون اليوم بين أشخاص قلائل من المدنيين اليابانيين، ضحايا ذلك القصف، ومن الطيارين الأميركيين، الذين وجهوا قنابلهم على المدينتين اليابانيتين. وبهذا المعنى تعتمد مادة هذا العمل على «ذكريات» تعود لنحو سبعين سنة خلت. هذا بالإضافة إلى معلومات كثيرة مأخوذة من «الأراشيف» المختلفة.
ويروي المؤلف أن 30 شخصا من سكان هيروشيما كانوا قد نجحوا في الهرب منها وصعدوا في قطار متوجه إلى ناغازاكي، «القطار الأخير» ووصلوا إليها في اللحظات التي سبقت انفجار القنبلة الذرية الثانية فيها.
والمؤلف يروي قصة هؤلاء، حيث يترك الكلام لـ«تسوتومو ياماغوشي» الياباني الذي توفي، بعد البوح بذكرياته للمؤلف، وهو في الثالثة والتسعين من العمر. ويتم تعريفه في هذا الكتاب على أنه الرجل الذي «عاش انفجارين ذريين في هيروشيما ثم في ناغازاكي».
كذلك تلقّى المؤلف شهادات غيره، ومن بينهم «جوزيف فوكو» الذي يقدمه على أنه كان أحد الطيارين الذين رافقت طائرتهما للمراقبة الطائرات التي قامت بعمليات القصف على هيروشيما وناغازاكي.
ما يشير إليه المؤلف في روايته لما جرى في أحداث خلال ذلك اليومين «الرهيبين» هو أن الأشخاص الذين نجوا من الموت ومن «الإشعاع» تواجدوا «في المكان المناسب» و«في اللحظة المناسبة». بذلك نجوا من «أشعة غاما» ومن «أشعة الموت ما فوق البنفسجية» ثم من «الانفجارات التي دمّرت كل ما حولها».
كذلك يؤكد المؤلف أن «الناجين من هيروشيما» و«ناغازاكي» تعلّموا «درساً ثميناً» لم يعرفه غيرهم حول أهمية البقاء بعد «انفجار نووي». لكنهم وجدوا أنفسهم مطالبين من قبل القادة العسكريين اليابانيين بعدم ترويج «قصص سيئة» و«شائعات حول الهزيمة».
لكن الدروس المؤلمة كثيرة. ويشير المؤلف إلى أن العديد من اليابانيين الذين عاشوا وعايشوا مأساة هيروشيما وناغازاكي قالوا إن رائحة اللحم البشري المحروق كانت «شبيهة برائحة الأسماك عندما يجري شواؤها على الحجر الملتهب»، كما يكتب.
ثم يشير إلى أن من أسوأ الدروس التي تعلّمها اليابانيون من القنابل الذرية هي أن أولئك الذين كانت على أجسادهم قطع معدنية مثل الساعات أو غيرها قد أدّت إلى حرق الجلد تحتها كي يصاب أصحابها بعد حين قصير بما يسمى «أمراض الإشعاعات».
ويتحدث شارل بيلغرينو كثيرا في «قطار هيروشيما الأخير» عن التشوهات التي أصابت الكثير من اليابانيين بحيث أنهم غدوا «دون عيون، ودون وجوه، وتحوّلت رؤوسهم إلى كتل مسوّدة تدل فتحات صغيرة فيها على مكان الفم والأنف والعيون».
ثم نقرأ نقلا عن أحد الشهود: «المصابون لم يكونوا يستطيعون الصراخ. فشفاههم وتجويف فمهم أقل قدرة من إصدار الأصوات. لكن الضجيج الذي أصدروه كان أسوأ من الصراخ. كانوا يصدرون فقط تمتمات مستمرّة. أحد الرجال بساقيه المحروقتين كان يحمل رضيعاً ميتاً رأسه في الأسفل وقدماه في الأعلى».
ويولي مؤلف هذا الكتاب أهمية كبيرة لتقديم تفاصيل طبيّة للآثار المترتبة على إلقاء القنابل الذرية الأميركية على سكان هيروشيما وناغازاكي. وإذا لم يكن في هذا كله الكثير مما هو جديد، فإن المؤلف يقدم عملا «جامعا» متكاملا لما اختزنته الذاكرة. ذاكرة الذين عاشوا الأحداث الرهيبة، وللمعلومات التوثيقية المأخوذة من «أرشيف» الحرب العالمية الثانية في العديد من البلدان، خاصة الولايات المتحدة واليابان.
من الملاحظ أن المؤلف يبتعد عن قصد واضح عن أي نقاش معمّق حول البعد الأخلاقي للقراء الذي اتخذته السلطات الأميركية آنذاك بقصف هيروشيما وناغازاكي بالسلاح الذرّي. إنه لا يؤيّد أفكارا مثل تلك التي رددها أميركيون كثر ومفادها: «شكراً لله أن القنبلة النووية وُجدت»، أي بمعنى أنها كانت أداة وضع نهاية للحرب. ولا يردد المقولات التي تدل على «العار الاستثنائي» مما فعله الأميركيون. لكن يؤكّد أن ما جرى كان بعيدا عن أية «حضارة».
وينتهي المؤلف إلى القول: «الأشخاص الوحيدون الذين يُفترض أن يكون لهم الحق في حكم بلدان مزوّدة بالسلاح النووي هن الأمهات اللواتي ينبغي عليهن إرضاع أطفالهن».
الكتاب: قطار هيروشيما الأخير
تأليف: شارل بيلغرينو
الناشر: هنري هولت نيويورك 2010
الصفحات: 384 صفحة
القطع: المتوسط
The last train for Hiroshima
Charles Pellegrino
Henry Holt New York- 2010
p. 384
