في كتاب «ظواهر وجد بن وجدان» يكتب سمير طحّان رواية سمّاها بالرواية العنقودية، وهي كما قال عنها خُصل متداخلة تنتظم في عرق متفرّع، والعرق المتفرّع دفتر يوميات وجد بن وجدان، ويستمر مدّة واحد وعشرين يوماً يتفرّع منه دفتر حوليات وجدان بن أوجد وتستمر مدّة ثلاثة عشر حولاً.
والخصل المتداخلة هي: الظواهر، الفنون الشعرية المختلفة ــ طقات حنك ـــ قصة صنباجة وقصة روحاتو وقصة لوسي. والرواية العنقودية ذات مواضيع متعدّدة تتداخل تماماً كما تتداخل أحداث الحياة اليومية لأنها تحاكي الحياة التي لا تنتظم أحداثها في موضوع واحد، والتي تؤثر أحداثها السابقة على أحداثها اللاحقة بحيث لا يمكن أن تعزلها عن بعضها بعضاً.
لأنها تتسلسل حيوياً وتدخل كل الأحداث الجارية في صلبها)، فالبطل فيها إنسان قد يخرج من عمله مثلاً، فيلتقي صديقاً أو قريباً يروي لـه ما يجري معه، فيغيّر بروايته هذه منحى تفكيره عبر أحداث متنوّعة، في خطوة أولى في تفكيك ما كان تمهيداً لظهور روائيين مبدعين جدد يحللون ما يكون ليركبوا ما سيكون. أما تسمّيتها بالعنقودية، فذلك يعود إلى تشبهها بحبات العنقود.
وهكذا الحياة، فالرواية حياة والحياة رواية، وكلاهما وحدة عضوية تتوالد من بعضها، ويبقى بينها الحبل السّري وإن انقطع. والرواية في مجملها مسلسل في يوميات، تتحدث عن شاب مثالي خيالي طيب إلى حدّ السذاجة، وخائب إلى حدّ السماجة، علماني، متصوّف، متناقض، متعارض وتتخلل هذه اليوميات ظواهر مختلفة من الشعر واليوميات والسير الشخصية، والحواريات القديمة والجديدة.
وآراء فلسفية في الدين والحياة وما بعدها وما قبلها، والعلم والجهل، والخيانة والإخلاص والإيمان والإلحاد، وما بين كل ذلك تبقى أناشيد الأمل بالمستقبل تطغى على الجميع، وعلى المسرح والشعر والقصة والرواية التي في المسرح إنها حكاية الأيام التي تمضي والأيام التي ستأتي، إنها حكاية أيامنا. هذا عن الرواية فماذا عن الروائي؟
يعيش أبو سمرة مهملاً ووحيداً في حلب، غاب بصر سمير بفجيعةً صالحت بين الليل والنهار، على حدّ تعبيره في إحدى قصائده، وهو لا يتحدث عن عماه ويشعرك بأنه عادي جدّاً، ولا يتوقف عن ذكر عبارات مثل: قرأت اليوم قصيدة جميلة، أو شاهدت البارحة فيلماً أجنبياً رائعاً. إلا أنه وجد نفسه محكوماً بالتفكير وبرؤية الأشياء بعيون مختلفة أجبرت على التدرّيب طويلاً وقاسياً لتتحلّى بفراسة خاصة وبذكاء آسر، وبذاكرة رخامية.
حيث التفكير في الأشياء يعادل رؤيتها بل ويتفوق عليها، عندما تتحمّل مفردة «الرؤية »« معنى « الرؤيا »، وحيث تغدو هذه الرؤية ذاكرة أخرى، ذاكرة أنضج وأكثر تأملاً وتعمقاً بالجوهر. و يصرّ طحّان في روايته على أننا نستهلك الثقافة والمعرفة ولا ننتجها، فنحن أصحاب أجساد متعبة وأرواح صدئة، حتى ابتساماتنا قاسية وكئيبة في العمق .
وقد عانى طحّان واقعاً مادياً أليماً، أدخله عزلة، لكنه كان مولعا بالثقافات القديمة والتعمق بالفلسفات الاستشراقية، وشغوفا بالمتصوفة، مما جعله يقوم بابتكار نظريات خاصة عن العالم والأشياء والوجود، لذلك مازال أسيراً لواقع لا يرحم، ووحيداً ومستوحشاً ومهملاً في عزلته العالمية، إنه لويس بورخس ملعون في شوارع حلب المهمشة.
الكتاب: ظواهر وجد بن وجدان ارواية عنقوديةب
تأليف: سمير طحّان
الناشر: دار كنعان للدراسات والنشر دمشق 2011
الصفحات: 492 صفحة
القطع: الكبير
