من أراد أن «يُصيب في كلامه» في تفسير القرآن وفي تأويل الأخبار، يجب عليه كما يؤكِّد الدكتور حمو النقاري تحصيل علم اللغة، والتبحر في فن النحو، والرسوخ في ميدان الإعراب والتصرُّف في أصناف التصريف. إذ ان علم اللغة سلَّم ومرقاة إلى جميع العلوم، ومن لم يتعلَّم اللغة فلا سبيل له إلى تحصيل العلوم، وكذلك فإنَّ من أراد أن يصعد سطحاً، عليه تمهيد المرقاة أوَّلاً ثمَّ بعد ذلك يصعد، كما أن علم اللغة وسيلة عظيمة ومرقاة كبيرة لا يستغني عنه طالب العلم في أحكام اللغة؛ لأنه أصل الأصول.
لكن كيف فهم فلاسفة الإسلام علم أصول الدين الإسلامي العربي المسمى كلاماً، وما هي الأمور التي حدَّدت فهمهم له؟ وما هي القيمة التي رآها فلاسفة الإسلام لهذا العلم، والأسباب التي دفعتهم إلى هذا الرأي؟ والبديل الذي اقترحه فلاسفة الإسلام لهذا العلم، صراحة أو إشارة، والأغراض التي أرادوا تحقيقها بذلك الاقتراح؟
ويرى أبونصر الفارابي في الكلام أنَّه قدرة حجاجية، تمكِّن صاحبها، في مجال مخصوص، من تحقيق أمرين متكاملين، يتعلق الأول منهما بالاستدلال لحكم أو مجموعة أحكام من أحكام العقيدة والشريعة، في مواجهة مبطل ذلك الحكم أو تلك المجموعة من الأحكام، أما الثاني فهو الاستدلال على حكم أو مجموعة أحكام من أحكام العقيدة والشريعة في مواجهة مثبت ذلك الحكم أو تلك المجموعة من الأحكام. ويأتي كلام الفارابي فعل مناظرةٍ لغوية في المجال العقدي والشرعي، كما أنه فعالية حجاجية لغوية متجسدة في مواد دينية. ويقول الفارابي: إن صناعة الكلام ملكة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة، التي صرَّح بها واضع الملة وتزييف كل ما خالفها بالأقاويل».
إنَّ تناول فلاسفة الإسلام للجدل، بعد تمييزه عن أنواع أخرى من أنواع المواجهة والاستشكال الخطابي، انتهى إلى تقديم الدرس الجدلي كدرس لما به يصير الإنسان «معداً للعلوم اليقينية». ويعني هذا الأمر أنَّ الأصل في بحث المدافعة الجدلية كان عند هؤلاء الفلاسفة موجهاً نحو غاية قصوى هي من جهة، إثبات أهمية «السؤال العلمي» لا «السؤال الجدلي»، ومن جهة أخرى تقديم العلم.
وهو الفلسفة عندهم، على غيره من المعارف التي تنتج بطريق غير الطريق العلمي، كتلك التي تنشأ بالطريق الخطابي أو الطريق الجدلي أو بالطريق السفسطائي أو بالطريق الشعري. إنَّ «الملتمس من كل مطلوب هو أن يحصل به الحق اليقين».
ولا يتسنى ذلك إلا بالطريق العلمي. لكن هذا الملتمس مطمح يتوخى باستمرار، إذ الواقع الحاصل أنَّ الإنسان لا ينتهي دائماً في كل مطلب يطلبه إلى اليقين. فالمطالب يحصل ببعضها اليقين، ويحصل ببعضها الظن والاقتناع، «وربَّما حصل في بعضها، تخيل بأن نرسخ في النفس خيالاتها ومثالاتها وأموراً تحاكيها، وربَّما ضللنا عن المطلوب»، حتى نظن أنَّا قد صادفناه من غير أن نكون صادفناه.
وربَّما «عرضت لنا فيه حيرة»، وذلك إذا «تكافأت عندنا المثبتة والمبطلة له»، أي الأدلة المثبتة والأدلة المبطلة، مما يولد حاصلاً معرفياً من الحق واليقين، وأيضاً الضلال والحيرة، والظن والإقناع والتخيل. ويرجع تنوع ذلك إلى اختلاف الطرق التي نسلكها عند مصيرنا إلى المطلوب، وإن كنَّا «لا نشعر باختلافها ولا بالفصل بينها»، وما العمل المنطقي العام الذي انخرط فيه فلاسفة الإسلام إلا إطاراً تمَّ فيه بيان الاختلاف الحاصل بين هذه الطرق والفصول الموجودة بينها، مع ادعاء شرعية طريق واحد هو الطريق العلمي.
تفاعل حجاجي
يستنتج الباحث في كتابه أنَّ هناك قيمتان مشتركتان عند أصحاب الجدل من مفكري الإسلام، الفلاسفة وأهل المناظرة من المفكرين الأصوليين، وتشكل هاتان القيمتان مبدأين عامين أسَّسا لكل من الدرس الجدلي والدرس المناظراتي للتفاعل الحجاجي في الفكر الإسلامي العربي القديم، وبهما يمكن تبرير إدماج الجدل والمناظرة الإسلاميين في الدرس المعاصر للظاهرة الحجاجية.
إذ إنَّ القيم الرافدة التي نجدها عند الأصوليين، قيم ترتَّبت على النظر في التفاعل الحجاجي، انطلاقاً من خاصيته التعاونية، أما القيم الرافدة التي نجدها عند الجدليين فهي قيم ترتَّبت على نظرهم في الحجاج، انطلاقاً من خاصيته التنافسية، وبالتالي يمكن وصل «الجدل» بالظاهرة الحجاجية المتناولة اليوم، وهي مختصة بمفهوم اللعب النظري المغالب، ووصل «المناظرة» بالظاهرة الحجاجية، وهي مختصة بمفهوم التعاون النظري.
إنَّ النظرية الحجاجية الجدلية في الفكر الإسلامي العربي القديم، التي يمثل لها فلاسفة الإسلام، نظرية تجد أصولها في النظر إلى الكلام الإسلامي العربي كخطابة وجدل في ميدان «الرأي»، وهو الميدان الذي يشكل مجالاً مشتركاً تتواصل فيه فئتا «الجمهور» و«الفلاسفة»؛ خطابة وجدل فُهما، انطلاقاً من التناول الأرسطي لهما من جهة، ومن النظرية القياسية التحليلية من جهة أخرى.
وقد أصبح «الكلام» عند الفلاسفة من حيث منهجه تهيئة نظرية لولوج ميدان «الحق»، ولخدمة «الفلسفة»، وتنقيحها مما يشوبها من دعاوى كاذبة، ولخدمة الفلاسفة وتقدير نشاطهم وتعظيم شأنهم وإعلاء كلمتهم وتأسيس سلطاتهم وترسخها، إثباتاً وإبطالاً للأوضاع المشهورة ولما يخالفها من الأوضاع غير المشهورة، والأوضاع الشنيعة، والأوضاع الأقل أو الأكثر شهرة أو شناعة، وذلك وفق استراتيجية خاصة يبرز فيها فعل الإبطال على حساب فعل الإثبات.
وبالتالي لا يمكن الحديث على النظرية الحجاجية الجدلية في الفكر الإسلامي العربي القديم، وهي منعزلة أو معزولة عن موقف الفلاسفة من العلاقة التي ينبغي أن تقام بين الدين الإسلامي والحكمة الفلسفية، ولا عن المسؤولية التدبيرية التي حاولوا إناطة أنفسهم بها في المجتمع الإسلامي العربي.
ويظهر بعد ذلك كما يرى الباحث أنَّ علم الكلام الفلسفي أو علم التحاور الحجاجي الفلسفي، مباين لعلم الكلام الأصولي أو لعلم التحاور الحجاجي الأصولي، كما أنه مباين له تأصيلاً وتقنيناً، مباينةً لا تمنع من عدِّهما معاً رافدين قابلين للوصف بما جدَّ اليوم في الدرس المنطقي المعاصر للكلام أو التحاور الحجاجي.
لذا يتبيَّن كما يرى الكاتب أنَّ النظرية الحجاجية الجدلية في الفكر الإسلامي العربي القديم، التي يمثِّل لها فلاسفة الإسلام، نظرية تجد أصولها في النظر إلى «الكلام» الإسلامي العربي كخطابة وجدل في ميدان «الرأي»، وهو الميدان الذي يشكل مجالاً مشتركاً تتواصل فيه فئتا «الجمهور» و«الفلاسفة» خطابة وجدلا، فُهما انطلاقاً من التناول الأرسطي من جهة، ومن جهة النظرية القياسية التحليلية من جهة أخرى؛ لذا أصبح «الكلام» عند الفلاسفة من حيث منهجه: تهيئة نظرية لولوج ميدان الحق، ولخدمة الفلسفة وتنقيحها مما يشوبها من دعاوى كاذبة.
الكتاب: منطق الكلام
تأليف: د.حمو النقاري
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون/ بيروت، منشورات الاختلاف /الجزائر
2010
الصفحات: 516
القطع: الكبير
