في المعتقد الشعبيلعل القط من أكثر الحيوانات انتشاراً في العالم، بل وداخل المنازل أكثر من خارجها، وهو ما انعكس على جملة أفكار ومعتقدات، ولعل ذلك الدافع الحقيقي وراء اهتمام الباحث والأديب فؤاد مرسي كي يجعله موضوع دراسة جادة، نشرت في كتاب، ضمن سلسلة تهتم بالدراسات الشعبية.
وحصر الكاتب دراسته حول علاقة المصريين بالقط، فكان الجانب التاريخي مدخلاً، كما أشار فيه إلى أن المصريين القدماء قاموا باستئناس القط منذ ما قبل التاريخ. ومرد ذلك أنهم عرفوا العلاقة بين القـــط والفأر، وكيف أن القط منع انتشار مرض «الطاعون»، حيث ينتشر بسبب نقل الفأر له.
كما ان هناك أسباباً جمالية تتعلق بالقط الأليف الهادئ وألوان شكله، حيث ارتفع شــــأن القط إلى حد أن عبدوه، وجعلوا منه الإله «بستت» منذ الأســـرة الثانيــة والعشرين. وكم الموميـــــاوات الكثيرة لتلك القطـــط المختلفـــة الأشكـــال والألـــوان.
وتابع الكاتب ما كتب عن القطط في التراث العربي، حيث يقول الأبشيهي في كتابه «المستطرف في كل فن مستظرف»: القط حيوان متواضع ألوف خلقه الله تعالى لدفع الفأر والحشرات».
كما أورد أنه من أكثر الأسماء التي عرف بها القط: الضيون، الخيدع، الخيطل، السنور، إضافــــة إلى الأسمــــاء الشهيرة: الهر، وينســـب إليه الصحابي الجليل أبو هريرة لشدة تعلقه وعطفه على الحيوان.
ويؤكد الكاتب، أنه ما من مصري إلا وله مع القط حكاية أو أكثر، حتى ان البعض يصف القط بالغدر وعدم الوفاء، وأنه يأكل وينكر. وقد أورد بعض الحكايات التي جمعها ورصدها من أفواه أصحابها وبلغتهم، وعن طبع الهر قيل: أنه لا يأكل الساخن، ولا الحامض، كما أنه ألوف غير معتد، وكثيرا ما يرى في محال المطاعم ولا يفترس، بينما يتناول ما يقدم له. والطريف أنه إذا ألف منزلا، منع غيره من القطط الدخول في هذا المنزل.
كما رصد البعض العديد مما هو لافت عن القط، حيث انه يكون صافي العين كثير البريق عند امتلاء الهلال، كما زعموا أن كل من أكل هرا أسود لم يعمل فيه سحر، كما أن طحاله إذا شد على المستحاضة انقطع حضها، ومن استصحب نابه لم يفزع بالليل.
كما أورد في الكتاب أن تفسير الهر في الرؤيا (بعض ما قال به ابن سرين): خادم حافظ، فإن خطف شيئا فهو لص الدار، أما عضة الهر فتعني خيانة خادم، ومن يرى أنه يبيع الهر فإنه ينفق ماله. كما وضح ارتباط الهر بالإنسان في الأمثال الشعبية، واستلهمت خصاله، منها: «ما يعرف هرا من بر»، ويعني ما يعرف برا من عقوق، و«لا تأمن الهر على اللحم ولا الكلب على الشحم»، و«فلان ينصح نصيحة السنور للفأر»، و«كهرة تأكل أولادها»، و«إن غاب القط العب يا فأر»، وغيرها.
وقد أجمل الكاتب صور وأفكار تواجد القط في المعتقد الشعبي، حيث تتراوح صورة القط بين الخيانة والوفاء، يتسم التعامل مع القط بقدر كبير من الشفقة والعطف والمعاملة الحسنة، قياسا على الحيوانات الأخرى.
وتحدث الكتاب عن صوت مواء القطط، واختلاف الآراء الشعبية حوله، وبين أن للقطط قوى جسمية، تفوق كل الحيوانات، كما أن لها سبعة أرواح، وأرجع ذلك لعناصر تشريحية، حيث يحمل صفات، منها ليونة وانحنـــاءة عظام القط، وكذلك عدم التحـــام العظام المشتركة في مفصل واحد
ولم يغفــــل الكتـــاب، الرؤية الإسلامية نحو معاملة الحيوان عموما، ومن ضمنها القطط، ورصد بعض الأحاديــث النبوية التي تحض على الرفق بالحيوان، والرأفة في التعـامـــل لتكون باللين واللطف، والنهى عن إيذائه أو التمثيــــل به أو تعذيبه، وقدم نماذج من تلك الأحاديث النبوية: من ضمنها «الهرة لا تقطع الصلاة إنما هي من متاع البيت»، وقصـــة المـــرأة التي دخلت النار بسبب هرة أساءت معاملتها.
