يستند المؤلف إلى قول الباحث مونتكمري وات في كتابه «الفكر السياسي الإسلامي»، الذي يعتبر أن المسلمين يعبرون عادة عن النظرية السياسية في شكل تاريخ، فالعرض التاريخي لمسألة الخلافة مثلاً يحمل في طياته موقفاً من النظرية السياسية لمؤسسة الخلافة. ويرى بأن قوله ينطبق على جميع النظم السياسية، بما فيها الوزارة والإدارة والقضاء والنظام المالي والعسكري.

وليس فقط على مؤسسة الخلافة، حيث تتضمن كتب التاريخ العامة معلومات متناثرة عن التطور التاريخي العملي لهذه النظم، وأن ما كتبه الماوردي، وغيره من كتاب السياسة الشرعية والعلماء والفلاسفة، يهتم بالنظرية والشروط والتبرير أكثر من اهتمامه بالتطور العملي.

ويشير إلى أن ظاهرة التبدل في الأسر الحاكمة لا يمكن إهمالها في التاريخ الإسلامي، لكن هناك من ينظر إلى أي عصر إسلامي بوصفه امتداداً طبيعياً للعصر الذي سبقه في مظاهره ومؤسساته وأفكاره، بحيث يكون العصر العباسي امتداداً للعصر الأموي، رغم أن «الانتصار» العباسي أعطى قوة ودفع حيوية لتلك التغيرات التي بدأت في العصر الأموي، إلا أنها بدت وكأنها مظاهر جديدة ابتدعها العباسيون الأوائل، بينما الواقع هو أن بوادرها حدثت في العصر الأموي.

ويسعى المؤلف إلى إثبات استمرارية النظم الإسلامية، وتطورها عبر العصور الإسلامية، متأثرة باستمرارية حركة التاريخ وتطورها البطيء والتدريجي، لأن هذه الحركة التاريخية وما يعقبها من تغير وتطور أثرت في سياسات الأسر والسلالات الحاكمة، وجعلتها تستجيب لمتطلبات التغيير.

واعتبر أن الدولة الناجحة هي التي تلتزم بالتغيير وتفهم طبيعة التطور وتدفع به إلى الأمام، والعكس يعني الانهيار والسقوط. ويتابع الكتاب أن نظام الخلافة في الدولة الإسلامية يعد موضوعاً خلافياً وشائكاً، وهناك من يعتبره أولى قضايا الخلاف في الإسلام، حيث انقسم المسلمون حوله إلى فرق ومذاهب وتيارات واقتتلوا فيما بينهم.

ولم يحدد الإسلام نظاماً واحداً شاملاً لكل زمان ومكان، إذ تحدث القرآن عن مبادئ أساسية في الحكم، وعن أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، لم يحدد شكلاً من أشكال الحكم، بل زود المسلمين بمثل وقيم أخذوها من سنته وأقواله، واجتهد الخلفاء الراشدون في تطبيق هذه المبادئ القائمة على العدل والشورى والاختيار والإجماع، إلا أن الأمور اختلفت في الفترة الأموية ثم العباسية، وخاصة مع نشوء الفرق الإسلامية ونظرتها إلى مؤسسة الخلافة. ونظرة كتاب السياسة الشرعية والفلاسفة إليها.

وقد قام عدد من المؤرخين والباحثين المعاصرين بتقييم نظام الخلافة الأموية وإجراءات الخلفاء لمحاولة تأسيس «نظام سياسي» يخص رئاسة الدولة. ولم يكُن المر سهلاً بالنسبة للأمويين، خاصة وأن عهدهم قريب بالخلافة الراشدة التي تعد في نظر المسلمين «النموذج المثالي» للدولة الإسلامية، لذلك يعتبر رضوان السيد أن معاوية «واجه تحديات ضخمة من الناحيتين الأيديولوجية والسياسية لا تقارن بها خطورة ومصيرية التحديات التي واجهت عبد الملك بن مروان ومن جاء بعده.

ولم يكن ذلك لأنه مؤسس فقط، بل لأن السلطة الإسلامية السابقة عليه، سلطة الراشدين، تأسست على السابقة والقدم في الإسلام وحضور معارك الجهاد الأول فيما بين بدر والحديبية».

ويتبع المؤلف تطور القيم الإدارية في التراث الإسلامي، متوسعاً في تنظيمات عمر بن الخطاب، بوصفه واضع الأسس الإدارية للدولة، وماراً بالإدارة الأموية اللامركزية والإدارة العباسية المركزية حتى نهاية الدولة، وما رافق ذلك من تعريب إداري في العهد الأموي وتطور الدواوين في العاصمة، وأنواع الإمارة على البلدان في العصر العباسي، حيث لاحظ هاملتون جب اتجاه الأمويين منذ عهد الخليفة هشام بن عبد الملك إلى الاستفادة من النظم الإدارية الساسانية.

وبالتالي ليس مستغرباً الاستفادة من هذه التنظيمات، إلا أن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال ما أشار إليه بعض المستشرقين من أن الدولة العباسية في نظمها فارسية على نمط الإمبراطورية العالمية الساسانية. وتبدو الاستمرارية الأموية واضحة في الطبقة الإدارية الأموية التي استمرت تعمل في الوظائف، حيث أعطيت البيروقراطية المدنية الأموية الفرصة للاستمرار في عملها ابتداء من عهد الخليفة أبي جعفر المنصور، ومنهم عبد الله بن المقفع أبناء عبد الحميد الكاتب، مخلد بن عبد الله الحارثي، يوسف بن جيح، زيد بن أبي الورد الأشجعي، الفرج بن فضالة التنوخي.

وكان البارزين من الكتاب والوزراء في عصر العباسيين الأوائل قد خدموا في الدولة الأموية، مثل عبد الملك بن حميد، أبو أيوب المورياني، معاوية بن عبد الله بن يسار ويعقوب بن داود. أما في ما يتعلق بالبرامكة فلم يكونوا ممثلين «للثقافة الإيرانية» في الإدارة والبلاط العباسي، بل إن دورهم يمثل ذروة تطورهما ضمن مفاهيم وأطر التراث العربي الإسلامي.

ويتتبع المؤلف في كتابه نظام القضاء وتوابعه في الدولة الإسلامية منذ نشأتها، وصولاً إلى نهاية الدولة العباسية، متطرقاً إلى دور القضاة والعلماء، وهم ممثلو المجتمع، بوصفهم رقباء على السلطة وسياستها، وسياسة الدولة تجاه المذاهب التي بدأت بالظهور القضائي مثل مؤسسة النظر في المظالم ومؤسسة الحسبة.

أما بخصوص نظام الوزارة فقد كان الوزير يعقوب بن داود وزير الخليفة العباسي المهدي أول من حصل على لقب وزير بصورة رسمية سنة ‬163هـ/ ‬779م، لكن شخصيات عديدة اضطلعت بمسؤوليات الوزير وصلاحياته قبل هذا التاريخ وقبل العصر العباسي، حيث عُرف هذا الإصلاح قبل الإسلام وفي صدره ليدل على أهل الخبرة والتجربة، الذين يعينون الخليفة أو الوالي بالمشورة في الأزمات.

بل إن ابن خلدون يرى بأن الوزارة كانت موجودة بالفعل في عصر الأمويين، حيث اعتبر أن الوزارة كانت «أرفع رتبهم، كما كان النظر إلى الوزير عاماً في أحوال التدبير والمفاوضات وسائر أمور الجبايات والمطالبات وما يتبعها من النظر في ديوان الجند وفرض العطاء لأهله وغير ذلك.

 

 

الكتاب: تاريخ النظم الإسلامية

تأليف: فاروق عمر فوزي

الناشر: دار الشروق، عمان، ‬2010

الصفحات: ‬472

القطع: الكبير