من السمات الغالبة على المجتمعات الغربية الاستهلاكية أنها مأخوذة بالبحث عن الربح المادي بأية صورة كانت وعلى أساس منطق رأسمالي معروف. وفي عكس مثل هذا التيار تقدم الباحثة في مجال العلوم الإنسانية «مارتا نوسباوم» كتاباً تحت عنوان: «ليس بحثا عن الربح»، تحاول أن تجيب فيه عن السؤال التالي: «لماذا تحتاج الديمقراطية للعلوم الإنسانية»؟
الفكرة الأولى التي تؤكّد عليها المؤلفة تتمثل في القول إن العلوم الإنسانية لعبت «تاريخيا» دورا أساسيا في التربية. ذلك على خلفية تقييم جرى اعتبارها فيه أنها أحد العوامل الأساسية في تكوين «مواطنين ديمقراطيين أكفّاء». كما تؤكّد في هذا السياق أن «جنوحا» كبيرا عرفه المجال التربوي في الولايات المتحدة الأميركية؛ الأمر الذي يثير قلقا حقيقيا وعميقا.
مصدر القلق تحدده المؤلفة بالقول إن الهدف التربوي الأميركي، وإلى حد كبير في العديد من بلدان الخارج، أصبح تعليم الطلبة الكيفية التي يصبحون فيها منتجين «اقتصاديا» هو الهدف الرئيسي وليس تعليمهم كيفية امتلاك «عقل نقدي» و«فكر نقدي» و«تغذية المخيلة». أي تأمين الشروط الضرورية كي يصبح الطلبة المعنيون مواطنين جيدين ويتمتعون بحس «المشاركة مع الآخرين، ذلك بحثاً عن تحقيق الصالح العام لفائدة الجميع وليس فقط الاكتفاء بالبحث عن مصالحهم الخاصة وعن «الربح»، مهما كانت الوسائل.
ومن جهة أخرى أدّى البحث عن الربح وعن زيادته إلى «تقليص كبير» لمشاعر التعاطف مع الهامشيين. والمقصود أولئك الذين جرى «استبعادهم» من ساحة الفعل الاجتماعي بسبب أوضاعهم الاقتصادية بالدرجة الأولى. وكذلك تقليص مشاعر التعاطف مع «الآخرين»، أي أولئك الذين يختلفون عن أصحاب الامتيازات من حيث لون البشرة و«المعتقد».
وترى المؤلفة أن انحسار العقل النقدي كانت له آثاره الحقيقية على السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية. هذا بمعنى نقص القدرة في مجال معالجة المشاكل العالمية المعقّدة، والتفكير حيال هذه المشاكل على معيار «الربح والخسارة». ذلك ما بدا بوضوح من المواقف التي اتخذتها واشنطن حيال سخونة المناخ بحيث إنها كانت مسؤولة إلى حد كبير عن فشل أغلبية اللقاءات الدولية حيالها. وفي المحصلة أدّى ضياع «القدرات الأساسية» التي يُفترض التحلّي بها إلى الإساءة للمنظومات الديمقراطية ذاتها وبددت الكثير من الآمال حول قيام عالم أكثر عدالة.
وبهذا المعنى تصل مارتا نوسباوم إلى القول إن أميركا ارتكبت خطأ كبيرا عندما وجهت نظامها التربوي نحو «زيادة الدخل الوطني» على الصعيد الاقتصادي تحديدا وحصرا. بالتوازي ابتعد هذا النظام التربوي عن الاهتمام بالعلوم الإنسانية بكل مشاربها بينما ينبغي أن تكون، حسب رأيها، في صميم تربية المواطنين في دولة ديمقراطية.
إن المؤلفة تقوم بمقارنات عديدة بين النظام التربوي الأميركي وأنظمة تربوية في بلدان أخرى. وتصل إلى القول إنه في جميع الأنظمة التي تركّزت فيها التربية على مفاهيم «الكسب الاقتصادي الوطني»، كما في الصين وسنغافورة، تمّ التوصل إلى نتائج مفادها أنه لا بد من القيام بإصلاحات سريعة تصبّ في التأكيد على تعميق الفكر النقدي ونشر ثقافة تعتمد أكثر على إثراء المخيلة لدى الطلبة والدارسين.
الكتاب: ليس بحثاً عن الربح
تأليف: مارتا سي. نوسباوم
الناشر: جامعة برنستون -
2010 الصفحات: 176 صفحة
القطع: المتوسط
Not for profit
Martha C. Naussbaum
Princeton University Press- 2010
.p
