خرجت الولايات المتحدة الأميركية على رأس قائمة المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، بل كانت المنتصر الحقيقي الأكبر في تلك الحرب، ذلك أنها لم تتحمّل دمارها كما كان الأمر بالنسبة للدول الأوروبية «المنتصرة»، ولكن «المهمّشة» اقتصادياً وعسكرياً.

وقد سادت في تلك الفترة فكرة بين أوساط المثقفين الأميركيين مفادها أن الولايات المتحدة قد أصبحت في موقع يسمح لها بـ«قيادة التنمية» في العالم عبر «تسريع» حركة نهاية الاستعمار والتصرّف كقوة محرّكة لتحديث العالم كله. هذه الفكرة بالتحديد هي التي يتعرّض لها الأستاذ الجامعي الأميركي مايكل لاتام في كتابه الذي يحمل عنوان: «النموذج الجيّد للثورة».

ويحدد المؤلف القول، إن إحدى النتائج الأساسية التي ترتبت على الحرب العالمية الثانية لدى المثقفين وأصحاب القرار الأميركيين تتمثل في «قناعتهم» أن بلادهم مؤهلة لـ«قيادة» العالم. ذلك عبر الربط بين زيادة «وتيرة وسرعة» النمو الاقتصادي مع التركيز على تشجيع التوسع الزراعي في منظور وصول مختلف البلدان إلى أكبر قدر ممكن من الاستقلال الذاتي الغذائي، وعلى اللجوء إلى دعم «النخب المتنوّرة» في مختلف البلدان.

مثل هذه الآليات كانت تخدم، من وجهة النظر الأميركية، زيادة الأمن والاستقرار و«الوقاية» من الثورات الخارجة عن السيطرة. وبالمقابل تدعيم التوجه نحو قيام دول لبرالية ورأسمالية. وبهذا المعنى كان البعض قد تحدّثوا عما سموه «الثورة الأميركية المحافظة».

وإذا كان المؤلف يؤكّد «النوايا الحسنة» التي كانت تدفع الأميركيين لنشر «التحديث» في العالم، فإنه يؤكد بالمقابل أن «الحلول التكنولوجية» التي جرى تشجيعها ترتبت عليها نتائج «لم تكن منتظرة» على الصعد السياسية والاجتماعية والبيئية. وقد تمثّل ذلك في زيادة حدة الفوارق الاجتماعية، الكبيرة أصلاً في العديد من البلدان، وفي اللجوء هنا أو هناك إلى ممارسة القمع على قاعدة المصالح، هذا ناهيك عن التخريب الذي لحق بالبيئة والذي أصبح أحد أكبر التحديات في الحقبة الراهنة.

وعن نهاية الحرب الباردة، إثر انهيار المعسكر الشيوعي، وشيوع فكرة «نهاية التاريخ» والانتصار الكامل والشامل للبرالية حيث بدت الولايات المتحدة الأميركية كقوة عظمى وحيدة في العالم، برزت «نظرية التحديث» بقوة من جديد لدى المفكرين وأصحاب القرار الأميركيين. لكن هذه المرة بـ«لباس» ليبرالي جديد والتأكيد على سلطة الأسواق وقدرتها على تحقيق التنمية في مختلف بلدان العالم.

بالتوازي مع ذلك ركّز القادة الأميركيون على ضرورة نشر الديمقراطية والحداثة في العالم، ولو كان ذلك بواسطة اللجوء إلى استخدام القوة. لكن الأحداث في العراق وأفغانستان «كذّبت» تلك المقولات وما نتج عنها من «آمال كاذبة» و«وعود» ظلّت أقرب إلى الأوهام، كما يشرح المؤلف.

في المحصلة يشرح في هذا الكتاب الآلية التي جمع فيها أصحاب القرار الأميركيين بين النظرية والدبلوماسية الخارجية والسياسة الداخلية ومفاهيم التنمية تحت عنوان عريض هو «التحديث». ويقدّم توصيفاً كاملاً ومفصّلاً للكيفية التي جرى فيها استخدام مفهوم «التحديث» كأحد مكونات السياسة الخارجية الأميركية منذ الحرب الباردة حتى اليوم.

الكتاب: النموذج الجيد للثورة

تأليف: مايكل لاتام

الناشر: جامعة كورنيل - ‬2011

الصفحات: ‬256 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

The right kind of revolution

Michael E. Latham

1102 -sserP ytisrevinU llenroC

.p 652