لم تكن ايلينا ريفسكايا، المولودة عام ٩١٩١، تعرف أنها ستصبح »مترجمة حربية« لدى الجيش الأحمر السوفييتي بعد تخلّيها عن استكمال دراسات جامعية في الفلسفة والأدب والتاريخ.
وفي شهر فبراير من عام ٢٤٩١ وجدت نفسها على جبهة القتال لمرافقة ذلك الجيش إلى برلين. وبعد عدة أيام من نهاية الحرب العالمية الثانية كانت أحد الذين اكتشفوا، وتعرّفوا على، جثّة أدولف هتلر وإيفا براون وجوزيف غوبلز، وزير الدعاية النازية وزوجته وأطفاله.
ثم أمضت أربعة شهور في مقر القيادة العامة للجيش تنقب في الوثائق ذات العلاقة بالأيام الأخيرة لنظام الرايخ الثالث بقصد »أرشفة« محتوياتها. تجربة »ايلينا ريفسكايا« هذه هي موضوع كتابها الذي يحمل عنوان »كتابات مترجمة حربية«. والكتاب الحالي الصادر في فرنسا هو نسخة أعادت المؤلفة النظر فيها وأثرتها لما كان قد تمّ نشره باللغة الروسية.
تؤكد المؤلفة أن جوزيف ستالين منع شخصيا على أي كان نشر أي معلومات تخص اكتشاف جثة هتلر. وكان على إيلينا ريفسكايا الانتظار سنوات طويلة كي تقدّم روايتها لما شاهدته. كان ذلك في برلين، حيث يتمّ توزيع هذا الكتاب بين أربعة »عناوين ـــ فصول« تبعا للتسلسل الزمني للأحداث التي عاشتها المؤلفة في »موسكو ١٤٩١، الرحيل نحو المجهول« و»روسيا، ٢٤٩١-٣٤٩١« و»أوروبا ٥٤٩١«، و»برلين، مايو ـــ أيار ٥٤٩١«.
إن المؤلفة تعود بذكرياتها إلى العديد من وقائع الحرب العالمية الثانية والنتائج التي ترتبت عليها بالنسبة لروسيا. وهي تصف بالتفاصيل الدقيقة، وبالوثائق، قصة اكتشاف جثّة »الفوهرر« والتعرّف عليها انطلاقا من قسم من »فكّه« و»بعض الأسنان«.
تبدأ إيلينا حكايتها مع الحرب، وعن الحرب، منذ خريف عام ١٤٩١ عندما انخرطت في صفوف الجيش الأحمر، السوفيتي، كمترجمة مؤكّدة أنه لم يكن يجول بخاطرها أبدا أنها سوف تصبح أحد »الشهود« على التاريخ. وعلى إيقاع المعارك وتسلسلها في روسيا وبولندا وألمانيا رافقت أعضاء قيادة أركان الجيش السوفييتي، لترجمة الوثائق العسكرية و»التحقيق« مع أسرى الحرب.
وتؤكد »إيلينا« أن إتقانها للغة الألمانية كان السبب الجوهري وراء توظيف قيادة الجيش الأحمر لها كمترجمة، إذ من دون مترجم »تغدو الاستخبارات العسكرية عمياء«. من ذلك الموقع اطّلعت على جميع الوثائق من الأكثر تفاهة مثل المنشورات والرسائل الشخصية إلى الأكثر أهمية مثل التعليمات العسكرية ورسائل »الراديو«.
هذا إلى جانب استجواب أسرى الحرب الذين تقول عنهم: »باستثناء عدد قليل منهم، لا أعتبرهم كنازيين«.وكانت إيلينا قد تعوّدت، كما تقول، على أن تكتب مشاهداتها أثناء عملها على جبهات القتال. هكذا دوّنت ملاحظاتها عن أولئك الجنود الألمان الذين كانوا »يرغمون الفلاحين الروس على نزع أحذيتهم التي تحمي من البرد كي ينتعلوها«. ذلك أنهم كانوا يخشون الصقيع. وهذا ما وضعه الروس في حساباتهم »العسكرية«.
إن هذه الكتابات عن الحرب العالمية الثانية بعيدة كل البعد عن »الروايات الرسمية« للتاريخ التي لم تتطرّق، كما تقول المؤلفة، للدور الحقيقي لستالين، حيث جرى تقديمه فيها على أنه كان ينظر إليها »من زاوية إنسانية وليس من زاوية المنتصر«.
وعن لحظة اكتشاف جثة هتلر تكتب المؤلفة: »في اللحظة التي ينتهي بها الطغاة، نجد أننا في حيرة أمام السؤال: هل من الممكن أن يكونوا من نفس صنف البشر الفانين؟ ثم إن ظروف موتهم إذا شابها أقل قدر من الغموض تغدو نوعا من الأساطير«.
