يبيّن الكتاب »مدرسة الفنانين الجوالين« لمؤلفه الدكتور علي خليل لأثر جماعة من الفنانين الروس، أطلقت عليهم تسمية »الجوالين«، وألفوا رابطة وشاركوا بأعمالهم الفنية في معارضها المتنقلة بين الأقاليم الروسيّة، ابتداء من أواخر عام ١٧٨١.
وكانت الغاية تنحصر في العمل على تنظيم معارضهم وأعمالهم الفنية، ونقلها إلى المدن الروسّية المختلفة، لتنوير الشعب الروسي، وتعريفه بالفن، وتسويق لوحات المشاركين في تلك المعارض، لهذه الغاية تستطيع الرابطة أن تقيم معارض تباع فيها الأعمال الفنية، والمصنوعات الفنية اليدوية، والصور الفوتوغرافية، سواء بسواء.
وذكر الكتاب أن المعرض الأوّل لهذه الجماعة افتتح في نوفمبر من العام ١٧٨١، وأغلق في يناير ٣٧٨١، ولاقى قدراً كبيراً من الاعتراف والنجاح فاق التوقعات، حيث اعتبر ظاهرة فنية سارّة وجديدة وقتها، وشكل بداية لتعريف الجمهور الروسي بطريقة منظمة على الأعمال الفنية لتجمع إبداعي محترف روسيا.
وأكد أن الصحافة شجعت يومها المعرض فوصفته بـ »التجربة الجريئة لفنانين، وديمقراطيين يقومون بدور تنويري نوعي، ويقتحمون الحياة العامّة«. وانتقل المعرض الجوّال إلى موسكو وكييف وخاركوف، فكان أوّل امتحان للجوّالين أمام جمهور واسع، وشديد التنوع من الناحية الثقافية والاجتماعية والمادية، لقد شاهده سكان مناطق ريفية ومدن كبيرة لم تكن معلوماتهم عن الفن في زمانهم تتعدى ما تنقله الصحافة أو الاطلاع على أعمال فنية في صور مطبوعة سيئة.
ثم تلت المعرض الأول معارض دورية أخرى تنقلت في المدن والأقاليم والأرياف، وكرسها الجوالون تقليدا وطنياً ثمينا. كما كانت المسألة الأهم في الفن تتمثل في قول الحقيقة، فلا تنحصر مهمة الفن الأساسية في التأثير على المشاهد بقدر ما ترمي إلى تهذيب ذوقه الجمالي، والارتقاء بمقدرته على تلقّي الفن والتعامل معه. لقد رسم الجوّالون لوحات تاريخية، حيث رسم إيلياريّن لوحة إيفان الرهيب وابنه إيفان، جسد فيها الهول والذعر والندم، الذي انتاب الأب، وهو يرى ابنه يلفظ أنفاسه الأخيرة بسبب غلطة في لحظة غضب.
وترك إيفان كرامسكوي أكاديمية الفنون ليلتقي بمن يشاطره أفكاره من الفنانين الشباب، حيث ألف ما عرف باسم »رابطة الجوالين« من أجل إبداع فن جديد صادق يستطيع أن يجسّد كل ما هو قريب من القلب، ومفهوم للجميع.
ويضيف الكتاب أن الفنانين الجوالين لم يجسدوا سوى الطبيعة الروسية، أما الطبيعة غير الروسية فلم تكن تحظى باهتمامهم كفنانين، ومن ضمن ذلك لوحة الربيع ٦٦٨١ للفنان ليف كامِنِف، التي تجسد مكاناً خالياً يخيم عليه جوّ غائم، وتظهر في مقدمة اللوحة مياه صدئة بُنيّةُ اللون، وأشجار عارية، وقطع من الجذور متناثرة عشوائيا، حيث استطاع الفنان بمهارة عالية أن يجعلنا نمسّ حتى برودة هواء هذا المنظر.
وأضاف الكتاب أن هؤلاء الفنانين كانوا يحرصون على الدّقة في الرسم، وإبراز التفصيلات في اللوحة، وكان هذا التقليد متبعاً عند رسامي المناظر الطبيعية أيضاً. كما كانت الأحداث التاريخية الوطنية مسألة بالغة الأهمية بالنسبة لهم، وحظي عصر بطرس الأكبر بقدر كبير من اهتمامهم على نحو خاص، فقد كان عصر صراع بين القديم والجديد، مثلما كان يوافق تماماً طموحهم إلى خلق فن جديد يناقض ما كانت عليه أكاديمية الفنون.
وأشار الكتاب إلى أن جوهر تصوّرات الجوّالين تمثل في أن يعبّر الفن عن حياة الناس الفلاحين والبسطاء، ونقل صورة صادقة عن حياة شرائح المجتمع. وفي أوّل معرض أقامته الرابطة كانت اللوحة التي نالت إعجاب المشاهدين هي لوحة »إيلاريون بريانشيكوف« ٠٤٨١ - ٤٩٨١ »العربات الفارغة«، وتصور رتلاً من العربات تسير في سهل يغطيه الثلج، وينقل المشهد عودة الفلاحين إلى قراهم في وقت الغسق.
الكتاب: مدرسة الفنانين »الجوالين«
تأليف: د. علي خليل
الناشر: الهيئة العامّة السورية للكتاب
دمشق ١١٠٢
الصفحات : ٨٦١ صفحة
القطع: المتوسط
