يتردد كثيراَ طرح مسألة العلاقة بين مهنة الطب ذات البعد الإنساني بطبيعتها وبين المصالح المادية المختلفة التي تحيط بها. والباحث مارك ا. رودوين يطرح هذه المسألة في كتاب يحمل عنوان »صراعات المصالح ومستقبل الطب« في الولايات المتحدة الأميركية خاصة وفي كل من فرنسا واليابان بالدرجة الثانية.

ويحدد المؤلف القول ان الاختلافات في صيغ تنظيم الممارسة الطبية والتداخل بين الطب والسوق والدولة يؤدي إلى تمايز كبير في آليات عمل الحقل الطبي بين بلد وآخر. ويصل المؤلف إلى نتيجة مؤداها أن القيام بعمليات إصلاح وضبط للقطاع الطبي يمكن أن يؤدي إلى التخفيف الكبير من حدة المشاكل المطروحة بسبب »صراع المصالح« وما يترتب عليه من نتائج مأساوية يدركها أغلبية الأميركيين في القطاع المعني والذي يجعل منه الرئيس باراك اوباما إحدى أولوياته على صعيد السياسة الداخلية الأميركية.

وبعد التعرّض لما يسميه المؤلف بـ»قلب المسألة« بالنسبة لصراعات المصالح في القطاع الطبي يبحث بسرعة في »تطوّر الطب الفرنسي« وآليات مواجهة هذه الصراعات. يشرح على مدى الكثير من صفحات الكتاب »كيفية ظهور سوق طبيّة محميّة في الولايات المتحدة الأميركية قبل عام ٠٥٩١«. ويتم في هذا السياق القيام بعملية تأريخ للقطاع الطبي الأميركي بالمقارنة مع كل من فرنسا واليابان.

يشرح المؤلف أن كل مواطن فرنسي يقوم بتأمين ضمانه الصحي عبر هيئات مختلفة تتمثل في أرباب العمل أو النقابات أو الدولة عبر آليات مختلفة بحيث أن الضمان الصحي »حق« لكل مواطن. وفي جميع الحالات تقوم مؤسسات مختصّة بتنظيم عمليات تسديد النفقات على المرضى.

أما في الولايات المتحدة الأميركية فالأمر مختلف جدا حيث يتوزع الأميركيون بين عدة مجموعات تبعا لآليات »تغطيتهم« صحيا. هناك أولا من تتولّى السلطات العامة هذه المهمة حيث تبلغ كلفة ذلك ٤ بالمئة من إجمالي الإنتاج الداخلي الأميركي. وهناك نسبة هامة من الأميركيين تتم عملية »تغطيتهم« صحيا من قبل أرباب العمل.

يؤرخ الكتاب تاريخ تطور القوانين الطبية، حيث يشرح المؤلف أن عملية »التحول التجاري« للقطاع الصحي في الولايات المتحدة قد جرت واقعيا خلال سنوات ٠٥٩١-٠٨٩١، وكان ذلك المنطق التجاري قد تجسّد فيما يسميه المؤلف بوجود أسواق طبية، ازدهرت أكثر فأكثر منذ عام ٠٨٩١ حتى الوقت الراهن. في المحصلة يبلغ إنفاق الأميركيين على صحتهم نسبة ٨١من إجمالي الإنتاج الداخلي الأميركي مقابل ٤ بالمئة في فرنسا.

ورغم هذا الإنفاق الكبير في أميركا هناك أكثر من ٦٤ مليون أميركي، أي حوالي ٦١ بالمئة من السكان لا يملكون أي »تأمين صحي«. هؤلاء يجدون أنفسهم أمام تحد مزدوج يتمثل في التعرّض لعدم القدرة على العلاج الجيّد، على الأقل، أو »خرابهم« الاقتصادي. وبعد شرح الإستراتيجيات التي يتبنّاها الفرنسيون واليابانيون والأميركيون، يفنّد المؤلف »خطة الرئيس اوباما« التي يعارضها المحافظون الجمهوريون عامة، ويبيّن أن العديد من الاقتراحات المقدّمة لمواجهة صراعات المصالح في القطاع الطبي لن تؤدي إلى الحلول المرجوّة المناسبة.

بالمقابل يقوم المؤلف بتفحّص سلسلة من الإجراءات التي يرى أنه يمكن اللجوء إليها في القطاعين الصحيين، الخاص والعام، بحيث قد تؤدي إلى المحافظة على »مهنية القطاع الصحي«. لكنه يصل إلى القول في المحصلة أنه ليست هناك »وصفة جاهزة« لمعالجة هذا المرض »صراعات المصالح« الذي لا شفاء منه. بكل الحالات تبقى الخطوة الجوهرية الأولى برأيه هي استعادة الثقة في »مهنة الطبيب«، وخاصة »إنقاذ العلاقة بين الطبيب والمريض«.