يرصد كتاب خلافات المتدينين والعلمانيين في إسرائيل (مواقف الصحافة العبرية) للدكتور أحمد فؤاد أنور، تطور الخلافات في السنوات الأخيرة، ومعالجة الإعلام الإسرائيلي للخلاف بين المعسكرين الديني والعلماني على صعيد القضايا الاجتماعية والثقافية والأمنية والتشريعية، التي وصلت إلى حد منع مشاهدة التلفزيون في الأحياء الدينية.
وتعرض مخالف هذا للضرب أو الاجبار على تركه مسكنه في الحي الديني، مع خلافات لا تهدأ حول الزواج والطلاق والدفن، وأسلوب إدارة المؤسسات الاقتصادية في إسرائيل. كما يسعى الكتاب لاستشراف ما سيسفر عنه تذمر المعسكر العلماني على التفرقة في التعامل والواجبات بينهم وبين نظرائهم المتدينين في صفوف الجيش الإسرائيلي.
اعتمد الكاتب على الصحف الثلاث الأكثر توزيعاً في إسرائيل، وهي يديعوت أحرونوت ومعاريف وهآرتس، وهي صحف مستقلة عامة يغلب عليها الطابع العلماني، ولم يلتفت إلى الصحف المستقلة ذات التوجهات الدينية، لأنها ـ كما يرى ـ محدودة التأثير والتوزيع غالباً، ولا تعبر عن حزب له تمثيل نيابي في الكنيست، وقد اختار العام ٠٠٠ ٢ بداية لدراسته لأنه شهد بلوغ العملية السلمية مع الفلسطينيين طريقاً مسدوداً بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد ٢.
وهو العام الذي شهد قيام شارون زعيم المعارضة وقتها باقتحام المسجد الأقصى، مما أدى إلى تفجر الانتفاضة الثانية، وشهدت تلك الفترة انسحاب إسرائيل من غزة من جانب واحد، ثم حصار الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ليختفي بعد ذلك من المشهد وكذلك اختفاء أريل شارون بدخوله في غيبوبة، مازال بها حتى الآن، والأهم من ذلك صعود الأحزاب الدينية، ومشاركتها في الائتلاف الحكومي فضلا عن وجود ممثلين لها في الكنيست.
وأكد في مقدمة كتابه أن العلاقة بين الدين والدولة تشكل إحدى الإشكاليات المعقدة التي تمنع »إسرائيل« من الشعور بقدر من التوازن، يؤهلها لكي تكون دولة مستقرة، فإشكالية تلك العلاقة وبالتالي ماهية الدولة ومقوماتها محل جدل يصاحب الجميع في »إسرائيل«، ما يجعل العلاقة بين العلمانيين والمتدينين تتوتر حتى على صعيد الحياة اليومية، لدرجة تعوقهم في حالات كثيرة عن أبسط مظاهر التعايش الطبيعي مثل التربص أو إقامة تجارة أو انجاز مشروع معاً.
تناول الكاتب جذور الخلافات بين المتدينين والعلمانيين، وبين أن الخلافات بين المتدينين والعلمانيين بدأت قبل قيام الدولة منذ نشأت »الهسكالاه« ــ حركة التنوير اليهودية ــ في الربع الأخير من القرن الثامن عشر الميلادي، وارتفعت حدتها التي وصلت إلى درجة الغليان، نظرا لشعور كل فريق بأنه لم ينل من المكاسب ما يتناسب مع حجم قوته وتأثيره في المجتمع الإسرائيلي، وأكد أنه قل تناول الخلافات بين المتدينين والعلمانيين في الصحف الإسرائيلية مع بداية المواجهة المسلحة مع الفلسطينيين في نهاية عام ٠٠٠٢ وبدايات عام ١٠٠٢، لكنها عادت لتشتد مع طرح وتنفيذ خطة الانسحاب الأحادي الجانب من غزة في عام ٥٠٠٢.
وإذا كان الخطر الخارجي يخفي الخلافات بين المعسكرين فإن تحقيق السلام مع العرب، وعدم استمرار الخطر الخارجي على إسرائيل سيؤدي إلى تفاقم الصراع بين الجانبين، ويقول الكاتب إن الطلقة الأولى في معركة الانفجار الشامل داخل إسرائيل، ستأتي من جانب معسكر المتدينين، لأنهم مازالوا الأقلية داخل المجتمع، الأمر الذي قد يدفع أفرادا منهم إلى حالة من التطرف والتعصب تقودهم إلى العنف والحلول الانقلابية لتحقيق أفكارهم ورؤاهم التي لا يمكنهم تحقيقها بوسائل ديمقراطية.
ويلاحظ الكاتب أن المتدينين يسيطر عليهم منطق تخوين وتكفير العلمانيين، ويسعون دائما لفرض الإكراه الديني، والاستيلاء على أكبر قدر من ميزانية الدولة، دون الالتزام بالخدمة العسكرية الكاملة في صفوف الجيش، إضافة إلى الارتفاع المتزايد في قوة التمثيل النيابي للتيار الأكثر تشدداً وتطرفاً على حساب تيار ما يسمى الصهيونية الدينية الأكثر اعتدالاً.
وتناول الكاتب رؤية الصحافة العبرية للخلافات بين المتدينين والعلمانيين في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والثقافية والتشريعية، وبين أن الصحافة الإسرائيلية عكست حقيقة أن الصراع بين المعسكرين يتمحور حول من هو صاحب البيت أو من هو صاحب الكلمة العليا في الدولة؟ كما يشتد الخلاف حول الميزانيات وأوليات توزيعها، والعائد من تلك المخصصات، تعتبره الصحافة محل الدراسة قضية أساسية، يجب أن تحظي باهتمام الرأي العام، وهي تسعى لإثارة الرأي العام بإقناعه- بالإحصائيات والأرقام.
من ناحية أخرى يوضح لنا الكتاب الصحف العبرية المستقلة والأكثر توزيعا في إسرائيل ترى أن التعامل الحالي بالنسبة لقضية تمثل نحو ٠٢ ٪ من السكان اليهود والخاصة بتدخل المحاكم المدنية في قضايا الزواج والطلاق ضرورة يجب السعي لتحقيقها، لتجاوز الجمود الذي تصر عليه المحاكم الحاخامية، كما تسهب تلك الصحف في استعراض نماذج لفساد تلك المحاكم الحاخامية.
ومعاناة المرأة الشاكية وأبنائها من هذا الجمود والانحياز والفساد، وتنظر الصحافة محل الدراسة في الإطار نفسه للزواج المدني أو الزواج البديل، بشكل إيجابي، وتروج للمنظمات الداعية له، كما تخصص مساحات كبيرة لاستعراض الأفكار غير التقليدية في السياق، مثل: زواج الإشهار وحذف بند الحالة الاجتماعية من بطاقة الهوية في إسرائيل. كما تضغط الصحف على القوي السياسية العلمانية لكي تدعم -عند التصويت في الكنيست- مشروعات قوانين جديدة تتيح الزواج المدني في إسرائيل دون عراقيل.
ورصد الكتاب بعض القضايا الثقافية محل الخلاف الداخلي في إسرائيل، ومساعي السيطرة على المحيط الثقافي في إسرائيل من القضايا المحتدمة على سطح الأحداث في المجتمع الإسرائيلي، باعتبار أن الثقافة والمؤسسات الثقافية والتعليمية كالمضخة التي تمد كل معسكر بمزيد من الأنصار، وهو ما جعل الخلاف يحتدم أيضا حول المؤسسات التعليمية والمحتوى الثقافي الذي تتبناه وتزرعه في عقول التلاميذ.
الكتاب: خلافات المتدينين والعلمانيين فيإسرائيل (مواقف الصحافة العبرية)
تأليف: د. أحمد فؤاد أنور
الناشر: المجلس الأعلى للثقافة
القاهرة ٠١٠٢
الصفحات: ٨٨٤ صفحة
القطع : المتوسط
