يشكّل الأميركيون ذوو الأصول الإفريقية «السود» أحد المكوّنات الأساسية في المجتمع الأميركي. وإذا كانوا قد خاضوا نضالات طويلة للحصول على حقوقهم المدنية، فإن النظرة إليهم، وموقعهم، تغيّرا بعد وصول باراك اوباما إلى رئاسة الولايات المتحدة.
والأستاذ الجامعي، الفن ب. تيللوري، يدرس في كتابه الذي يحمل عنوان «بين الوطن والوطن الأم» أو «بين وطنين» طبيعة وتاريخ العلاقات بين الأميركيين ذوي الأصول الإفريقية وبين القارة الأم أو الوطن الأم،إفريقيا. وبهذا المعنى يجد المعنيون أنفسهم «بين وطنين».
ويحدد المؤلف ثلاثة محاور أساسية يتعرّض لها في كتابه. وتتمثّل في «إفريقيا» و«السياسة الخارجية الأميركية» و«الزعامة السوداء في أميركا». وفي هذه المحاور الثلاثة يؤكد «الفن ب. تيللوري»، خطأ مقولة شائعة مفادها أن مشاعر الانتماء إلى إفريقيا شكّلت باستمرار «الإيديولوجية» السائدة التي يسترشد بها الزعماء الأميركيون السود عندما يصوغون مواقفهم وسياساتهم الخارجية حيال القارة السوداء.
بالمقابل يؤكد المؤلف أن الأولوية لدى الأميركيين السود في تحديد مواقفهم وتوجهاتهم السياسية تعود إلى حسابات تتعلق قبل كل شيء بالسياسة الداخلية الأميركية. كما تلعب العوامل المتعلقة بالأوضاع داخل المجموعة الإفريقية-الأميركية نفسها دورا مهما في ذلك.
وعلى خلفية العلاقة بـين الانتماء إلى الوطن الأميركي وبين «الجذور» يشرح المؤلف واقع «التداخل» الكبير في المصالح بين أميركا والقارة الإفريقية. هكذا عندما تحرّرت البلدان الإفريقية من القوى الاستعمارية السابقة، خاصة بريطانيا وفرنسا، استمرّ «وجود» تلك القوى عبر «مناطق نفوذ».
استمرار ذلك التواجد الأوروبي في القارّة الإفريقية دفع الولايات المتحدة إلى محاولة تثبيت مواقعها بحكم المواقف التاريخية. ذلك خاصة أن العديد من الدول الإفريقية مثل السنغال وساحل العاج وليبيريا، أبدت رغبتها في زيادة «التواجد» الأميركي من أجل «معادلة» النفوذ الأوروبي.
وتدل الإحصائيات المقدّمة أن إفريقيا تزوّد الولايات المتحدة حاليا بحوالي نسبة 15 بالمئة من استهلاكها البترولي. كما تدل التوقعات أن هذه النسبة سوف ترتفع إلى 25 بالمئة خلال السنوات العشر القادمة. هذا يعني أن إفريقيا ستحتل المرتبة الثانية في هذا الميدان، وربما في مجال الغاز أيضا. بالمقابل هناك آفاق استثمارات تقوم بها الشركات الأميركية في مجال الغاز أيضا. بالمقابل هناك آفاق استثمارات تقوم بها الشركات الأميركية في مجال التنقيب عن البترول «الإفريقي» واستثماره بحوالي 50 مليار دولار خلال نفس الفترة، أي السنوات العشر القادمة.
أما اوباما «الإفريقي» فإنه يدرك جيدا، كما يؤكد المؤلف، مدى حساسية النقاش حول مسائل العرق ويعرف حدود الخطاب حول «الهوية السوداء». ومما يُنقل عنه، ملاحظته أن الأميركيين السود يقيمون باستمرار «علاقة غامضة» مع إفريقيا. وإذا كانوا يعلّقون صور نلسون مانديلا على جدران بيوتهم فإنهم لا بدّ وأن يصابوا بخيبة أمل كبيرة إذا حدث وقاموا بزيارة «أرض الجدود».
يؤكد المؤلف على وجود «جدل عرقي» قديم، وأن الأميركيين السود «يندرجون» في سياق التاريخ الطويل لـسالعلاقات المشوشة» التي تخللتها سلسلة طويلة من أشكال سوء التفاهم بين أولئك الذين تجري تسميتهم منذ فترة قريبة فقط بـ«الأفارقة الأميركيين» وبين القارة الإفريقية السوداء التي لم تعد تعرف كيف ينبغي عليها أن تنظر إلى «أولئك السود الذين تخلّوا عن ثقافتهم».
وإذا كان باراك اوباما نفسه قد ذكّر عندما زار جدّته في قرية نيانغوما كوغيلو بروابط «القرابة» بين السود الأميركيين وإفريقيا وأنه قدّم نفسه كواحد منهم وخاطب الأفارقة قائلا: «أنتم جميعا إخوتي وأخواتي»، فقد أثبت باستمرار أنه «أميركي» أولا وأخيرا وأنه، مثل كل الأميركيين، أقرب لـ«المهاجرين» مما هو للسود.
الكتاب: بين الوطن والوطن الأم
تأليف: الفن ب. تيللوري
الناشر: جامعة كورنيل
1102 الصفحات: 612 صفحة
القطع: المتوسط
Between homeland and motherland
Alvin B. Tillery
Cornell University Press- 2011
612 p.
