لم يعد مفهوم المدينة هو الفضاء والحيز المكاني الذي يضم أناسا يعيشون معا، بل أصبح ينطبع بكل ما يتضمنه هذا الفضاء من قيم تتشكل عبر التاريخ وعبر الأجيال، على هؤلاء الناس، ولا يقتصر الجدل لأناس المدينة وحدهم، بل يمتد إلى تجادل مماثل في المدن المجاورة.
ومن هنا تعتبر المدينة أشد انفتاحاً على الثقافات الإنسانية المختلفة، مقارنة بالصحراء والأرياف، هذا ما يقدمه كتاب «ثقافة المدينة»، الصادر عن هيئة قصور الثقافة، بعد مؤتمر ثقافي تناول الجوانب المختلفة لثقافة المدينة، حيث تضمن الكتاب أبحاث المؤتمر ومجمل الأبحاث التي نوقشت فيه.
وجاء في الكتاب أن الحركات الفكرية والتحديث، انبثقت من المدن، كما ذكر عن الحداثة وما بعد الحداثة، في الزمن القريب، وما يتردد حول نشأة الرواية الجديدة وقصيدة النثر، مما قدم مجموعة من المقاربات لا يجب أن يفهم منها أن ثقافة المدينة أفضل من ثقافة القرية، لأنه ببساطة يمكن القول بأن لكل هذه الأنساق والأشكال الثقافية آلياته وطريقته التي تنسق مع المزاج العام لأبناء المجتمع كله، وبالتالي تتوافق قيم وعادات وتقاليد وأعراف المجتمع كله، في حدوده المناسبة المتجانسة معا.
وضم الكتاب، في المحور الأول «المدينة رؤية حضارية»، وفيه تحدث الكاتب الدكتور محمد حافظ دياب عن «القاهرة المحروسة» (ذاكرة الشهادة وشهادة الذاكرة)، وجعل الكاتب مدينة القاهرة (المكان) دليلا وشهادة ومرصدا على مجريات أهم أحداث التاريخ الحديث التي مرت بالبلاد.
منذ الحملة الفرنسية عام 1889، مرورا بحكم محمد علي، وأحداث الثورة العرابية، ثم احتلال القوات الإنجليزية للقاهرة والبلاد. وتابع مع أحداث ثورة 1919، وما كان في الثلاثينات من القرن الماضي، وصولا إلى ثورة 1952 وما بعدها من حروب.
ثم كان الربط بين تلك الأحداث والإبداع المعبر عن بعضها، فسرد الموال الشعبي الذي ارتبط بالحملة الفرنسية، حيث ضرب نابليون الأهرامات بالمدافع، ودخل الأزهر بأحصنته، وهي رؤية رابطة للبعد الزماني أو التاريخي والمكاني أي المدينة، كما كانت القاهرة هي محور هذا المكان، بينما كانت رؤية الدكتور رمضان البسطاويسي مرتكنة على البعد الجمالي الفلسفي، وقدم بحثه «جماليات المدينة» من هذا المنطلق.
وبدأ البحث بتعريفات «المدينة» منذ أن تحدث أفلاطون عن «المدينة الفاضلة»، وهو ما فسره وقدمه ابن رشد ويسقطه على الممالك الإسلامية في زمنه، حيث يقول: «إن المدينة الجماعية هي التي يكون فيها كل فرد مطلقا من كل قيد، لذلك ينشأ في هذه المدينة مختلف أنماط الحكم التي تعرفها الدول الأخرى، ويكون فيها من يحب الكرامة، ومن يحب اكتساب المال، وفيها من يحبون السيطرة»، ويضيف بأن البيت (القبيلة، الطائفة، الحزب) في هذه المدينة هي المقاصد الأولى. لذلك كانت هذه المدينة تقوم على العشائرية، عكس المدينة الفاضلة».
وتابع الكتاب تفسير الفارابي (المفكر العربي)، ثم اتبعه بعدد غير قليل من المفكرين في الغرب، إلا أنه توقف مع رؤية جورج هنري، التي تتحفظ في أن العلاقة بين المدينة والرواية علاقة أكيدة، ولا يرى أن الرواية كائن مدني. ثم استعرض بعض الأسماء الروائية ممن أقاموا علاقة بالمدن كتورجنيف، فلوبير، ستندال، الأخوات برونتي، توماس مان، فيما كانت بؤرة الروايات عندهم المقاطعة، البلدة أو القرية، ولم تكن المدينة الكبيرة هي مسرح أحداث الرواية. وتابع الكاتب تلك الآراء والتعريفات بعلاقة المدينة بفن (الرواية تحديدا)، وهو اختيار الكاتب للربط بين ثقافة المدينة والفنون الإبداعية.
أما المحور الثاني من الكتاب، والذي جاء بعنوان «تجليات المدينة في الإبداع»، فقد وجد فيه الدكتور شريف رزق عبر قصيدة النثر ضالته، وفضاء بحثه، وهو ما جعله يبدأ بحثه قائلاً: «تعد المدينة في قصيدة النثر، من أبرز الظواهر حضورا، وإذا كانت المدينة حاضرة في الشعر العربي منذ أكثر من ألف سنة، فإنها في قصيدة النثر تتسم بحضور أوفر».
وقد سرد عن شعراء قصيدة النثر، منذ بدايات العشرينات من القرن الماضي، مع الشاعر أحمد رستم وديوانه «البستان المهجور»، ثم مع فؤاد كامل، وجورج حنين، وكامل زهيري، وعادل أمين وغيرهم. فيما تناول تلك القصائد التي اهتمت بوصف المدينة، والتحولات التي طرأت عليها، وحالات اغتراب سكانها، وغيرها من المحاور.
وكانت المدينة المعولمة (من العولمة)، هي عنوان بحث الناقد عمر شهريار، ورصدها مع فترة السبعينات، حيث مساكن الإيواء والعشوائيات بسبب سياسة الانفتاح، وإن بدت العولمة على المدينة أكثر رسوخا، مع تواجد الشركات عابرة القاهرة في المدن، وتوافر أجهزة الاتصال الحديثة، مما عدل من سلوكيات الناس، خصوصاً مع رواج الشبكة العنكبوتية.
ومن الروايات التي تناولها، رواية «فانيليا» للروائي الطاهر شرقاوي، وهي لشخصين بلا اسم، وتأتي فكرة هروب البنت لرواية «بيت العائلة» التي تربت فيه، وقضت طفولتها في محاولة لاستعادة الماضي، ومع ذلك فالمدينة بلا اسم، وتجريد المكان من ملامحه واسمة من سمات الرواية، وان اهتم الروائي بوصف الإعلانات في الشوارع، وببعض الملامح التي تكشف عن تأثير العولمة، ويتابع الروائي تأكيد فكرته بأن تقوم البنت بخلق عوالم افتراضية (كما في الإنترنت)، وتتعايش معها كأن تتخيل تربية الديناصورات بالشقة!
ويبدو أخيرا أن علاقة المدينة بالثقافة والإبداع عموماً، صلة تتزايد، في اتجاهين، اتجاه تأثير المدينة على ملامح وبنية الرواية والأعمال الإبداعية عموماً، ثم في اتجاه محاولة الفن والإبداع بتشكيل مدينة ما، كما تلك المدينة الافتراضية في إحدى الروايات.
الكتاب: ثقافة المدينة
تأليف: مجموعة كتاب
الناشر: الهيئة المصرية للكتاب ــ 2011
الصفحات: 265 صفحة
القطع: المتوسط
