يعيش العالم اليوم حقبة التكنولوجيات المتقدّمة بامتياز. هذه التكنولوجيات غيّرت الكثير من نمط حياة البشر اليوم. لكن الباحث وأستاذ الفلسفة الفرنسي جان جاك دلفور يحدد اليوم «آلتين» كبيرتين أصبحتا هما وملحقاتهما في صميم الحياة اليوم وهما التلفزيون والسيارة. هذا ما يشرحه في كتابه الذي يحمل عنوان «التلفزيون والسيارة واهتمامات الإنسان الحديث الأخرى».

إن المؤلف يقدّم على مدى الفصول الستة التي يتألف منها الكتاب شرحا لما يعتبره الآثار النفسية ــ البسيكولوجية ــ والاجتماعية والإنسانية والحضارية على «الآلتين» اللتين دخلتا في صميم نمط العيش الحديث، أي التلفزيون والسيارة.

هكذا يتم التعرّض لمسائل تتعلق بـ«هيكلية الرؤية من بعيد» و«الأعراض المترتبة على المشاهدة التلفزيونية» و«إعادة النظر في دور التلفزيون» وعدد آخر من المسائل المتعلقة بدور التكنولوجيات في المجتمعات الحديثة.

الخطوة الأولى التي يقوم بها المؤلف تتمثل في القيام بنوع من «التشخيص» للمشهد العام للمجتمعات المتقدمة اليوم. ويؤكد القول ان التلفزيون والسيارة يحتلاّن اليوم مكانة وموقعا هامين في حياة «المجتمعات المجهّزة»، حسب التوصيف الذي يتم استخدامه للمجتمعات الحديثة.

يتم في هذا السياق تقديم عدد من الإحصائيات التي قامت بها مؤسسات مختصة وتذهب كلها باتجاه القول ان التلفزيون، «وما يدور في فلكه مثل الانترنت والحواسيب وألعاب الفيديو»، والسيارة يتقاسمان بالتساوي تقريبا المدة الزمنية، من حيث عدد الساعات، التي يمضيها البشر خلال يومهم.

هاتان «الآلتان» وما يرافقهما من ممارسات «غيّرتا» الحياة الحديثة بهذه الدرجة أو تلك من العمق حسب التقديرات والآراء. وهناك بهذا الصدد تباين كبير بين الخطابات الخاصة بتقييم الظاهرة حيث يكيل لها البعض «المديح» ويعتبرها آخرون «مأساوية». ولهؤلاء وأولئك حججهم وقد تفتقد بعض الآراء إلى أي بعد تحليلي، كما يشير المؤلف.

لكن يبقى «الخط الغالب» في بروز نوع من «الموجة» التي يتم التأكيد حسبها على الأذى الكبير الذي يولّد صور «العنف» التي تملأ شاشات التلفزيون، لكن مع تجاهل الآثار العامة للتكنولوجيات البصرية على حياة الأفراد والمجتمعات.

الفكرة الغالبة في المجتمعات الحديثة حيال التلفزيون والسيارة يحددها المؤلف بوجود «إرادة قوية لحماية المتعة» التي يحققانها في مجتمع الاستهلاك والاستعراض القائم، هذا خاصة أنه لم يعد ممكنا «الاستغناء عنهما» بحيث أصبحا في عداد «ما هو ضروري» وليس ما هو «ترفيهي» أو ينتمي لعالم «الترف».

أولئك الذين لا يشاهدون التلفزة أو لا يستخدمون السيارة أصبحوا اليوم في عداد «الاستثناءات الشاذة» التي تؤكّد القاعدة ولا تنفيها. النتيجة الأساسية لذلك يحددها المؤلف بالقول «التلفزيون والسيارة تمثلان منظومتين تكنولوجيتين نفسيتين ــ سياسيتين واجتماعيتين- سياسيتين تتجاوزان كثيرا الآلتين ذاتهما». ويضيف: «التلفزيون والسيارة يصوغان عالما».

ويصل المؤلف في الصفحات الأخيرة من الكتاب إلى اعتبار السيارة والتلفزيون كمصدر لـ«الطغيان» من نوع جديد حيث لا يتعلق بفرد. ذلك أنهما يمثلان تجربتين لممارسة «طغيان صغير» على كل من يستخدمهما.

بهذا المعنى يمكن اعتبار المجتمع التكنولوجي، على غرار الصورة السائدة في المجتمعات الاستهلاكية المتقدمة اليوم، قد يكون مصدر «التعميم الديمقراطي» الحقيقي للطغيان.

 

 

الكتاب: التلفزيون والسيارة واهتمامات الإنسان الحديث الأخرى

تأليف: جان جاك دلفور

الناشر: إيريس ــ باريس ــ ‬2011

الصفحات: ‬182 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Télé, bagnole et autres prothèses du sujet moderne

Jean Jacques Delfour

Erès - Paris- 2011

182 .p