يحاول الكاتب السيد أبوداود في كتابه «الأمة في مواجهة الاستبداد.. خبرات ثورة 25 يناير»، الذي صدر أخيراً في القاهرة تحليل وتفكيك ظاهرة الاستبداد في الواقع المصري، بعد الثورة التي أزاحت النظام.
ويقول الكاتب في مقدمة كتابه أنه انتهى من كتابته قبل الثورة بحوالي شهرين، ولكن لظروف خارجة عن الإرادة، معظمها أمني، مضيفا أن مشكلة الديكتاتورية أو الانفراد بالحكم أو الاستبداد من أكبر المشاكل التي تسيطر على مفاصل الحياة في العالم العربي، لتمنعه من الاشتراك في ركب الحضارة العالمية وتجعل المواطن العربي يعيش تعيسا وهو يرى نفسه محاصرا في بيته ممنوعا من ممارسة أي نشاط سياسي حقيقي، ممنوعا من الاشتراك بقوة وجدية في الشأن العام، تزور إرادته في صناديق الانتخابات، ويسمع الأكاذيب من حوله طوال الوقت في وسائل الإعلام. مضيفاً أن ذلك كان مدعاة لتعديله وإضافة ما يجعله مواكبا للحدث.
ويرى الكاتب أن الشخصية المصرية تميزت على مر عصور طويلة بسمات كانت أقرب إلى الثبات؛ ولذلك يعتبرها العلماء سمات أصيلة وذلك لتميزها عن سمات فرعية أو ثانوية قابلة للتحرك مع الظروف الطارئة.
وشكل ذلك الخريطة الأساس للشخصية المصرية في وعي المصريين ووعي غيرهم، كما أدى إلى الثبات النسبي لهذه السمات ارتباطها بعوامل جغرافية ومناخية مستقرة نسبيا، وبين أن الشعب المصري ليس ثوريا فهو يميل إلى الاستقرار إلى درجة الجمود طمعا في الأمن وبقاء لقمة العيش، حتى ولو كان أمنا ذليلا أو لقمة مرة، ولكنه يتحرك ويثور حين تنتهك قدسية عقيدته الدينية أو حين تجرح كرامته الوطنية بشكل مهين أو حين تهدد لقمة عيشه بشكل خطر.
ويرى الكاتب ان هذه القلة من الناس تعاني ظروفا صعبة حين تتعامل مع مجتمع وافق غالبيته على قبول الأمر الواقع، دون محاولة صادقة أو جادة لتغييره وهذا الأمر يضع تلك الأقلية في حالة غربة، واغتراب وصعوبات حياتية كثيرة، ويتحدث الكاتب عن المتغير في سمات الشخصية المصرية، مبينا العوامل الرئيسة التي أدت إلى تلك التغيرات.
ويذكر منها ثورة 1952 ونكسة يونيو 1967 ومعاهدة السلام مع إسرائيل، والانفتاح الاقتصادي المنفلت، والسفر إلى بلاد الخليج والعولمة، وكذلك قانون الطوارئ الذي امتد العمل به إلى ما يقرب من نصف قرن، مما خلخل السمات المكونة لها، المتراكمة عبر مئات السنين.
وناقش الكاتب بدايات الثورة على نظام مبارك، فتكلم عما أسماه الأسس الخاطئة لنظام 23 يوليو، وأكد أن عبدالناصر كان يمتلك مشروعا سياسيا واجتماعيا نهضويا كبيرا، إلا أن أدوات تنفيذ هذا المشروع لم تكن موجودة.
كما بين أن نظام 23 يوليو لم يحفظ استقلال مصر الوطني استقلالا تاما، وإن ظهرت مصر في تلك الفترة كدولة إقليمية ذات شأن، وكذلك الفشل في إدارة الصراع مع إسرائيل وعلى المستوى المحلي الفشل في إدارة المجتمع، وفي تنميته وتحديثه حتى وصل في عهد الرئيس المخلوع إلى إدارة المجتمع بالفساد.
وتناول الكاتب نفسية المستبد وثقافته، وبين أن المستبد تصنعه عوامل كثيرة، منها التربية الخاطئة والعقد النفسية لدى الشخصية، وكذلك غفلة الأمة وتراخيها وضعف إحساسها بذاتها، وانعدام تقديرها للمسؤولية، مضيفا أن ظاهرة الاستبداد وإن كانت ظاهرة عالمية، وان كانت كثير من شعوب العالم استطاعت أن تضع حدا للاستبداد في عصرنا الحاضر، إلا أن هذه الظاهرة متجذرة في الثقافة المصرية والبابلية والآشورية.
واهتم الكاتب بتبرئة الإسلام من تهمة الاستبداد، فتحدث عن الشورى في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي عهد الخلفاء.
دى إبطال حكم الشورى في الإسلام، إلى وجود علماء متملقين هم علماء السلطة الغاصبة، الذين أوجدوا بدورهم مقولة تقول: إن من وصل إلى الحكم بالقهر والغلبة فهو الحاكم الشرعي، ويجب على الأمة طاعته والانقياد له، وقد انطلت هذه المقولة على جماهير الأمة، وانتشرت وروج لها المروجون، ووضعت من أجل تثبيتها الأحاديث الموضوعة حتى صارت مذهب أهل السنة والجماعة وأكد الكاتب أن ذلك خطيئة لا خطأ، وأن المستبد العادل فكرة كارثية.
كما أن مثل هذه الاجتهادات أدت إلى انعدام وندرة التشريعات في مسألة صعود الخليفة إلى الحكم، وآلية اختياره وتصعيده ومتى ينتهي حكمه شرعا وتصبح ولايته غير شرعية، وما وجد من تشريعات قليلة في هذا المجال لم يطبق منها شيء، نتيجة الاستبداد والظلم.
كما تحدث الكاتب عن الثورات الكبرى والانقلابات العسكرية والعصيان المدني كخبرات عالمية في فرض التغيير، ثم أوضح أن الثورة التونسية التي قامت قبل ثورة مصر بأيام كانت الشرارة التي أشعلت الأوضاع المحتقنة في مصر.
وفي نهاية الكتاب تحدث الكاتب عن موقف الاتجاهات الإسلامية من الثورة فتناول موقف الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية، وموقف المفتي وبين أنها كانت متوقعة لأنها مؤسسات كانت تتحدث باسم النظام السابق وتدافع عنه وكانت تدور في فلكه، أما ما أحزن الكاتب فهو موقف السلفيين من الثورة، وبين أن الشعب المصري مثلما تجاوز بثورته، المؤسّسات الدينية المرتبطة هيكلياً بنظام حسني مبارك والداعمة له مباشرة، تجاوز أيضاً الحالة السلفية بتنوّعات خطابها، إذ لم يقتصر الانهيار على مؤسستي الأزهر والكنيسة القبطيّة. فقد بدت هذه التيارات السلفية داعمة بوضوح للنظام، أحياناً بترتيب منه أو بتطوع منها، وأحياناً أخرى بفعل طبيعية الموقف السلفي الرافض جذرياً للثورة، ولمبدأ المعارضة عموماً.
الكتاب: الأمة في مواجهة الاستبداد.. خبرات ثورة 25 يناير
2011 تأليف: السيد أبوداود
الناشر: مكتبة جزيرة الورد ــ القاهرة ــ 2011
الصفحات: 432 صفحة
القطع: الكبير
