«يوم ‬9 أكتوبر من عام ‬2009 فقدت جواز سفري فطلبت من الجهات المختصّة استخراج جواز سفر جديد». بهذه الجملة يفتتح الروائي والكاتب الفرنسي ميشكا اساياس كتابه الجديد الذي يحمل عنوان «الهويّة المفقودة».

ثم يؤكد مباشرة أنه في فرنسا اليوم «لا يشكّل واقع أن يولّد المرء فرنسياً من أبوين فرنسيين برهاناً كاملاً على جنسيته». ثم نفهم عند القراءة أكثر أن مؤلف هذا الكتاب اكتشف قبل أسبوع واحد من ذهابه إلى برلين بمهمة لحساب الإذاعة الفرنسية «راديو فرنسا» أنه قد فقد جواز سفره، أو ربما سُرق منه. فما كان منه سوى أن توجّه إلى قسم الشرطة المختصّ في حيّه، حيث أبلغه الموظف المعني أن «الإجراءات قد تغيّرت».

ويشرح المؤلف أن أبويه «غير الفرنسيين عند ولادتهما» كانا قد حصلا على الجنسية الفرنسية قبل ولادته و«لم أعرف أبداً طيلة حياتي بالدقّة متى حصل ذلك ولا كيف حصل»، كما يكتب. لكن ها هو يجد بعد أكثر من ‬60 سنة أن «الإدارة الفرنسية تزعم أنها لا تعرفهما». ويشير المؤلف إلى إحساسه العميق حيال ذلك بمشاعر يختلط فيها «الغضب والمهانة».

ويضيف: «أحسست بأنهم يعيبون عليهما، أي والديه، من خلالي، أنهما قد اقترفا خطأ ما»، لقد كان عليه أن «يثبت» للإدارة المختصة أنه «فرنسي الجنسية». هذا رغم أنه صحافي وكاتب فرنسي معروف ومولود من أب وأم فرنسيين. بدا الموقف وكأنه مأخوذ من أحد كتب فرانز كافكا.

بل ويبدو أن المؤلف نفسه يكتب بطريقة «كافكا» نفسه عند حديثه عن «عنف الإدارة» حيال المواطن وما يترتب على ذلك من إحساسه أنه «تائه» حيث لا يدري.ويناقش المؤلف في هذا السياق وعلى مدى صفحات الإجراءات الإدارية المعمول بها في فرنسا منذ أواسط عقد التسعينات في ما يخص تجديد الهوية الشخصية تبعاً للتوجيهات التي أصدرها وزير الداخلية آنذاك شارل باسكوا.

ثم جرى تطبيقها منذ عام ‬2005 بالنسبة لتجديد جواز السفر، حيث كان ينبغي على الآلاف ممن هم في وضع مؤلف هذا الكتاب أن يبرزوا للإدارة أوراقاً رسمية ووثائق تخصّ وثائق ولادة أهلهم.

إن ميشكا اساياس يعود طويلاً إلى الحديث عن تجربة والده ووالدته ليطرح عبر ذلك مسألة أساسية مطروحة في فرنسا اليوم وأثارت الكثير من النقاشات تحت عنوان «الهوية الوطنية». ويحاول أن يبيّن بكثير من البساطة «البليغة» واقع أن المواقف الفرنسية تحتوي على الكثير من التناقض في ما يخص البحث بمسألة «هويتها الوطنية» والتي تتعالى أصوات عدة للتأكيد أنها «معرّضة للخطر».

ذلك على خلفية حسابات انتخابية واضحة.ويحاول المؤلف أن يشرح الأسباب التي جعلت أبناء جيله، ممن هم في حالته، مدفوعين نحو نوع من الإحساس بـ«عقدة الذنب» على أشياء لا علاقة لهم بها. هذا بدلاً من تعميق روح الحرية لديهم. ووراء هذا كله «تعسّف إداري» ليس له ما يبرره بالمسائل المتعلقة بـ«الهوية الوطنية» الفرنسية.

يصف المؤلف مدى «الصدمة» التي أثارتها لديه تجربة تجديد جواز سفره. ولكنه يؤكد في الوقت نفسه أنها فتحت له آفاق طرح الأسئلة حول «خصوصياته». ذلك على مبدأ أنه ينبغي استخلاص ما يمكن أن يكون جيّداً من عمل الكثير من السوء.

مثل تلك الأسئلة ما كان لها أن تجد مكاناً في اهتمامات الكاتب جدياً لولا مصادفة أن يفقد جواز سفره في سياق معيّن، أي في لحظة تطرح فيها فرنسا على نفسها الأسئلة حول هويتها الوطنية وما تواجهه من «تهديدات» يعرف الجميع أن المقصود بمصدرها هم المهاجرون من أصول إسلامية. وحديث عن مشاعر الألم التي تعتري الإنسان أمام «فقدان هويته».

الكتاب: الهوية المفقودة

تأليف: ميشكا اساياس

الناشر: غراسيه باريس ‬2011

الصفحات: ‬174 صفحة

القطع: الصغير

Faute d'identité

Michka Assayas

Grasset - Paris- 2011

174p.