يمثل كتاب «شعرية التوهج الحسي» مجموع مقالات نشرها الدكتور صلاح فضل في عموده الأسبوعي في الملحق الثقافي لصحيفة «الاتحاد» الإماراتية، خصصه لقراءة نصوص من الشعر العربي في مرحلته الكلاسيكية إبان العصر العباسي الأول، مع استطرادين كبيرين عن شاعرين أسسا الوعي الحضاري المتحرر لهذه الفترة:
هما بشار بن برد وأبو نواس الحسن بن هانئ، في إطار تصنيف للمادة الشعرية يتم حسب الحواس ومعطياتها، ويتتبع أقصى ما تبلغه من توهج في الشعر وصوره، بحس فني، يحتفل بالحياة وينجح في التمثيل الجمالي المتقن لمظاهره.
ويقول الدكتور فضل «ولأنني صرفت اهتمامي الأول إلى النقد الحديث والمعاصر تنظيرا وتطبيقا ومقارنة، فقد كنت أستشعر دائما حاجتي إلى مطارحة نماذج من الشعر القديم وتذوقها بأقصى درجة من الحرية والاستمتاع، بحيث أتخفف من الإجراءات المنهجية الصارمة، وأقارب النصوص بشكل مباشر دون وساطة أي «بروتوكول» نقدي مسبق،.
وما زلت أذكر هذا الانطباع الذي كان يسيطر علي في مقتبل العمر، عندما استغرق في قراءة كتب أستاذي الدكتور غنيمي هلال- المثقلة بحصاد المعرفة الشاملة لنظريات النقد القديمة والحديثة حتى عصره، من عربية وأجنبية- فأتمنى عليه أمنية تجعله يتميز غيظا.
وهى أن تتاح لي الفرصة لأحرق مكتبته وأتركه مجردا من مرجعياته، حتى يكتب هو ما ترسب في أعماق روحه من هذه المراجع الغنية، دون أن يستشهد بأقوال المفكرين وآراء الفلاسفة والعلماء من كل العصور والثقافات، وكان يرد على بإشفاق وتحذير قائلا: يا جاهل، إن إنتاج العلم لا يصح إلا بصحبة العلماء وبناء على حصادهم المعرفي المتراكم.
ويضيف في الكتاب «مع إدراكي لأهمية ذلك كنت أرمق ما يفعله قرينه المبدع الذي جعل للنقد الأدبي دولة ومكانة محمد مندور في استيعابه المذهل، وهضمه المتمثل لكل هذا الحصاد، وقدرته على توظيفه بشكل تلقائي بالغ السلاسة والإمتاع، في مداخلاته وإملاءاته الطليقة.
كما كنت أحتفظ في نفسي بإعجاب لما يكتبه طه حسين من مقالات عن الشعر والمسرح والثقافة، دون حاجة إلى استشهادات ولا مراجع علمية، كان الفارق يتصل بالأسلوب الأكاديمي الرصين الذي يحرص عليه غنيمي هلال، والوسيط الصحفي الذي يلتقي عبره طه حسين ومحمد مندور مع عشاقهم ومريديهم».
نموذج أكاديمي
يكشف فضل أنه جهد خلال فترة طويلة من حياته العلمية في تحقيق هذا النموذج الأكاديمي، ثم «انتهى بي المطاف بعد تشعب الارتباطات إلى الكتابة في المجلات المتخصصة قبل أن أنتقل إلى الصحف التي تفرض على كتابها أساليبهم وتغير مناهجهم وتبدل لغتهم، وقد وضعتني مقالات «الأهرام» في النقد التطبيقي من ناحية.
وعمود «الاتحاد» الذي اخترت له مجال التذوق الشعري من ناحية أخرى في موقف دقيق من حيث اختيار المواد الإبداعية الملائمة لكلا الجمهورين، لكنى سرعان ما أدركت شدة الحفاوة بالشعر، والتسامح في تلقيه، والأريحية في فهم عوالمه، مما جعلني أوثرهم بهذه المقاربات وأشركهم معي في تذوقها والتنعم بما تتيحه من عوالم الجمال والتحرر الإبداعي».
ويقول فضل «تصادف في السنوات الأخيرة أن التفت إلى كتاب تراثي مدهش، صدر عن المجمع اللغوي في دمشق في أربعة أجزاء بعنوان «المحب والمحبوب والمشموم والمشروب»،.
وهو مختارات شعرية، جمعها ونسقها الشاعر العباسي السري الرفاء، المعاصر للمتبني، وقد ألفها طبقا لمنظور حسي، يصنف المادة الشعرية لا طبقا لموضوعاتها التقليدية وإنما حسب الحواس التي تستمتع بها والمحاور التي تعتمد عليها، فهو يتحدث في الجزء الخاص بالمحبوب عن الجمال الأنثوي من قمة الرأس إلى اخمص القدم.
وفى الجزء الخاص بالمحب عن عواطفه ولواعجه وأوصافه الحسية والمعنوية، أما المشموم فهو أريج الطبيعة وألوان الزهور والرياحين، والمشروب هو صنوف الخمر ونشوتها والسكر وحالاته، هو إذن يعتد بالحواس ومعطياتها.
ويتتبع أقصى ما تبلغه من توهج في الشعر وصوره، بحس فني فريد، يحتفل بالحياة، وينجح في التمثيل الجمالي المتقن لمظاهرها، في أبيات أو مقطوعات، تحتفظ بشعريتها النابضة رغم مرور هذه القرون الطويلة عليها، دون أن تفقد قدرتها على إثارة الإعجاب والافتتان لدى القراء في جميع العصور».
ويؤكد أنه بقدر ما دهش لهذا المنظور العجيب من شاعر غمرته شهرة معاصره الجبار وأخفتت صوته وبريقه، أدرك أنه لم يكن بعيدا عن منطق الشعر العربي ولا عبقريته الخاصة، حينما طبق على أساليب كبار مبدعيه في النصف الثاني من القرن العشرين خلاصة نظريات الشعرية المعاصرة .
كما سطرها في كتابه فيما أطلق عليه «الأسلوب الحسي» أو«اللمس بالشعر عند نزار قباني» طبقا لسلم متدرج من الشعرية، يمر بالشعر الحيوي والدرامي والمتحول حتى يصل للشعر التجريدي عند مدرسة أدونيس»،.
فهذا الطابع المائز يغلب على الذاكرة العربية التخيلية في تشكيلها للصور وحفاوتها الشبقية بملذات الحياة، دون أن يضعف بقية مجالاته المعرفية والوجدانية والصوفية التي تتوسل كثيرا بالحس وتوظف مجازاته وصوره، وإن ظلت أبعد عن الإدراك العام وأرقى من متناول الخيال المتداول الشائع، لكن الثراء الإدراكي والتوهج الحسي يظلان منبعا خصبا لأبدع أشكال الجمال الحي في الشعرية العربية».
الكتاب: شعرية التوهج الحسي
تأليف: د.صلاح فضل
الناشر : دار العين 2011
الصفحات: 183 صفحة
القطع : المتوسط
