هناك تعبير اقتصادي شائع في فرنسا للدلالة عما يسمّى بـ«الثلاثينات المجيدة»، والمقصود بذلك ثلاثة عقود من الازدهار شهدتها البلاد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى أواسط السبعينات.
والباحثتان الاقتصاديتان الفرنسيتان كارين بيرجيه وفاليري رابو تؤكدان أن «الثلاثين المجيدة أمامنا»، كما جاء في عنوان كتاب صدر لهما منذ فترة قريبة.
تؤكد المؤلّفتان أنه يمكن لفرنسا أن تحقق من جديد نجاحا اقتصاديا واجتماعيا كبيرا، لكن شريطة تلبية بعض المستلزمات والخيارات الجريئة.
وهذه الشروط هي الموضوع الرئيس للكتاب. وتنطلق المؤلفتان من استعراض مقولة بسيطة شائعة هي أن «فرنسا مسترخية في أحضان تشاؤمها»، أو «فرنسا التي تسقط»، كما جاء في عنوان صدر عام 2003 للباحث الاقتصادي المعروف نيكولا بارنير.
وتشير التحليلات المقدّمة إلى أن فرنسا كانت قد عرفت منظومة ذات فعالية كبيرة خلال السنوات الثلاثين «المجيدة» الأولى، وأنه عليها أن «تعيد الصلة» من جديد مع ما كان قد أثبت فعاليته، ذلك أنها «نسيت قليلا» مبدأ أساسيا وهو أنه كي تكون السياسات الاقتصادية فاعلة ينبغي على فرنسا أن تحدد مسارها على غرار أية شركة تعرف إلى أين تذهب وتحسب بدقة المردود المترتب على الاستثمارات التي تقوم بها.
وتؤكد المؤلفتان على أن فرنسا تمتلك «أوراقا رابحة» كبيرة في القطاع العلمي عامة. ويتم التذكير في هذا الصدد أن الفرنسيين امتلكوا ثاني مدرسة «كلية عليا» للرياضات في العالم بعد الولايات المتحدة.
هذه الثروة «الفكرية» تنبغي الاستفادة منها وتوظيفها في قطاعات صناعية عديدة مثل الصناعات الدوائية والتكنولوجيات الحيوية ومجال الأبحاث العلمية بمختلف مشاربها، والعمل على تحقيق اختراعات جديدة على صعيد المحرّكات ذات القدرة العالية مع استهلاكها القليل للطاقة. مجال الطاقة تؤكد المؤلفتان ضرورة أن يكون أحد اهتمامات البحث العلمي في منظور الغد.
وترى المؤلفتان أن «النموذج» الاقتصادي والاجتماعي الفرنسي، أو ما يعبّر عنه بـ«الاستثناء الفرنسي»، أكثر «تعقيدا» أو «عدالة» من النموذج الانكلوسكسوني أو الألماني، ويتم تحديد ثلاث ركائز يقوم عليها النموذج الفرنسي تتمثل في «الجسارة على المخاطرة» من قبل السلطات العامة والمشاريع الخاصة.
والركيزة الثانية هي «المساواة»، بمعنى التلاحم الاجتماعي والمساهمة الفردية في الازدهار أما الركيزة الثالثة فيتم تحديدها بـ«الانفتاح على العالم» من خلال البناء الأوروبي وقبول أعداد كبيرة من المهاجرين.
هذه الركائز الثلاث تجد صداها في شعار الدولة الفرنسية المتمثل في ثالوث «الحرية والمساواة والإخاء»، كما تشير المؤلفتان وتؤكدان أن هذا النموذج «مريض» الآن ولكنه «قابل للشفاء» وليس محكوما بـ«الموت» حسب الرأي السائد.
المطلوب قبل كل شيء هو العودة إلى «القيم الأصيلة» والشروع فوريا بالبحث في السياسة الاقتصادية والاجتماعية التي ينبغي على فرنسا انتهاجها خلال العشرين سنة القادمة.
إن بقاء فرنسا في هذه الحالة من «عدم اتخاذ القرار» يعني أنها قد تواجه وضعا من «التفتت» سيكون من الصعب معه «إعادة اللحمة» للأجزاء المبعثرة. والخيار الحقيقي هو «النهاية» أو «ثلاثون مجيدة جديدة».
الكتاب: الثلاثون المجيدة أمامنا
تأليف: كارين بيرجيه وفاليري رابو
الناشر: رو فرومنتان باريس 2011
الصفحات: 204 صفحة
القطع: المتوسط
Les trente glorieuses sont devant nous
Karine Berger, Valérie Rabault
Rue Fromentin - Paris- 2011
204p.
