يصنف كتاب (الشهاب.. شهادة روائية) لمؤلفه حامد أبو أحمد ضمن الكتابات النقدية الأيديولوجية.. هو ما آثار التساؤل حول هوية الكتاب وتصنيفه ؛ فقد بدأ الكاتب بتذكر الأيام الأخيرة له، بعد الحصول على درجة الدكتوراه من أسبانيا، في الأدب المقارن، وقراره العودة إلى مصر. يقول:
(.. كنت أفكر في أشياء كثيرة، منها نقل العفش، شحن السيارة، وشراء كتب جديدة..) ، وبحيلة أدبية يستحضر الكاتب الشاعر الجاهلي (ابن الصلادم)، لعله يتبع ما كان بورخيس (روائي رائد من أميركا اللاتينية) يستخدمه من حيلة في رواياته، حتى يكسر أو يحد من الشعور بالملل الذي قد يصيب القارئ.
وبعد عدة صفحات لا يعود الكاتب إلى تلك الفترة، فكما لم يبدأ بمرحلة الطفولة، مثلما هي كتب السيرة - غالبا- لم يعد إلى تلك الفترة، ربما جعلها مدخلا لكتابه في كل ما تناوله من ظواهر سلبية ونقد سياسي واجتماعي.
يقدم الكاتب بكلمات للشيخ محمد عبده: ( إن الأمة التي ضربت عليها الذلة والمسكنة وتوالت على ذلك القرون والبطون تصير كالبهائم أو دون البهائم..).
وان بدأ الفصل بالحديث عن المجموعة القصصية (الحب تحت هضبة الهرم) لنجيب محفوظ، التي نشرت عام 1979م، حيث تنبأ (محفوظ) بأزمة المساكن للشباب، وهو ما كان خلال السنوات التالية.
سرعان ما ينتقل إلى سيرته التي تتناول جانبا من مشاكل البحث عن سكن له، بعد عودته من أسبانيا، فيكون بذلك قد مزج بين أكثر من خط للتناول، مبرزا بعض السلبيات الاجتماعية في تلك الفترة.. مثل البيروقراطية واللا مبالاة، حتى محاربة العقول الشابة.
مثل تلك المنحة التي أعلنها محافظ أو حاكم الإقليم للكاتب عندما حصل على أعلى الدرجات في شهادة الثانوية العامة، وقد قرر المحافظ صرف مكافأة شهرية له، طوال فترة دراسته الجامعية، وما حدث أن صرفت له لمرة واحدة، ولم تصرف بعدها!
وأيضا يقابله الشاعر الجاهلي (ابن الصلادم) ويتحاورا نثرا وشعرا.. وهكذا تشكلت كل فصول الكتاب، وحتى الفصل الأخير.
يتناول الكاتب اختيار الفريق حسنى مبارك قائد القوات الجوية نائبا لرئيس الجمهورية.. حيث عرض عليه الرئيس السادات الترشح لهذا المركز السياسي الهام، وقد فوجئ مبارك فطلب منه أن يترك له فرصة للتفكير ليومين.
وما حدث أن صدر الأمر الجمهوري في صباح اليوم التالي. وتوقف الكاتب هنا منتقدا طريقة الاختيار للوظائف السياسية الهامة في البلاد.
مثلما توقف مع الشاعر الجاهلي، وتذكرا معا، ما ذكرته كتب التاريخ عن أحوال مصر، التي هي شبيهه بأحوالها في الزمن المعاصر، مسترشدا بمقولات محمد بن أحمد بن إياس في كتابه الشهير (بدائع الزهور في وقائع الدهور).
يرصد الكاتب ويسجل كل ما رصدته ذاكرته من سلبيات، وقد يلاحظ القارئ الكثير من الملامح التي تثير الأسئلة:
.. إن كل الأحداث (الشخصية) ضمن السيرة الذاتية للكاتب، والأحداث الاجتماعية والسياسية التي تناولها، سرد أسماء أبطالها وان كانت من ذوى الوظائف أو الأدوار السياسية، دون تحفظ.. كما هو شائع ومألوف في السير الذاتية.
يلاحظ القارئ أن الكتاب صدر دون تحديد (التلويسة) أو البيانات التي تحدد تاريخ النشر، واسم دار النشر وغيرها، خوفا من ملاحقـــة الأمن.. بينما أفاد الكاتب في ندوته بنادي القصـــة بالقاهــرة (فى الاثنين 7-3-2011) أنه سوف تصدر طباعـــة جديدة من الكتاب عن إحدى دور النشر القومية بكل البيانـــات التقليدية.
يثير المؤلف نقديا السؤال عن هوية الكتابة ومنهج الكاتب فالكتاب ليس سيرة ذاتية تقليدية، وان تناول الكاتب في كل فصوله سيرته.. كما أن الكتاب ليس نقدا سياسيا واجتماعيا فقط، وان تضمن ملامحه، بل وكل المعلومات التي تناولها موثقة (بلغ حجم الوثائق 800 صفحة).
وأخيرا نشير إلى السطور الأخيرة من الكتاب، لعلها توجز مجمل أفكاره: (لقد أصيب الشعب المصري بالاكتئاب، بعد أن جفت كل الينابيع، ولم يعد يتحرك إلا شيء واحد هو السيطـــرة على البرلمــان، وتوسيـــع دائرة النفوذ، وتغول الفســـاد، وانهيـــار التعليم والصحة، وضرب العقول الأبية المفكرة... جعلوا مستقبل الوطن آخر شيء يمكن أن يمنحوه بعض الاهتمام).
الكتاب: الشهاب.. شهادة روائية
تأليف: د. حامد أبو أحمد
الناشر: مجهول - ديسمبر 0102م
الصفحات: 250 صفحة
القطع: الكبير
