يقدم اوليفييه بوافر دارفور، كتابا عمّا يسميه «الانحسار الثقافي الفرنسي» أمام زحف الثقافة الأميركية التي تحاول اجتياح العالم باسم العولمة. يحمل الكتاب عنوان «خلل من صناعة فرنسية» وعنوانه الفرعي هو: «قصة الاستسلام الثقافي».
الرسالة الأساسية التي يتضمّنها الكتاب تتمثل في القول أنه ينبغي على فرنسا التصدّي لتحدي الإبداع الذي يطرحه عليها، كما على غيرها من أمم العالم، الاحتكار الأميركي للتكنولوجيات الثقافية بمختلف مشاربها. ويشرح المؤلف واقع السيطرة الثقافية الأميركية بعشرة فصول تتوزع بينها مادة هذا الكتاب.
ويرى المؤلف أن هناك مفهومين «متعارضين» للثقافة. مفهوم «نخبوي» يقوم على «الأكاذيب المجيدة» التي تحدث عنها الشاعر مالارميه، وتمثله فرنسا عامة. ومفهوم آخر أكثر حسما وأكثر فعلا وينطلق من الواقع، وهو الذي يتبنّاه الأميركيون، يقول المؤلف: «هناك مفهومان للثقافة أحدهما فرنسي عامة وهو بصدد القبول بالهزيمة، والآخر أميركي يحظى بالسيادة الكاملة تقريبا».
ويرى المؤلف أن فرنسا هي بطريق أن تغدو «قوة صغرى» ثقافيا في أفق السنوات القليلة القادمة. هذا على الأصعدة الفكرية والثقافية وأنه سيكون عليها أن «ترفع الرايات البيضاء» للمرة الأولى في الميدان الثقافي خلال التاريخ الحديث.
هذا ما يشرحه بالقول ان الثورة الرقمية هي قبل كل شيء ثورة «تكنولوجية لم تكن «بقية العالم» مهيأة لها على صعيد البنيات الأساسية «التحتية» الاقتصادية ولا على صعيد ما يسميه بــ «صناعات المضمون».
ويكرّس المؤلف العديد من الصفحات للحديث عن التفوّق الأميركي في ميدان «الصناعات الثقافية» من سينما وموسيقى وغيرهما، الأمر الذي تدلّ عليه بوضوح «حصة» المنتجات الأميركية في الأسواق العالمية. والحصيلة هي تميّز «الموديل الأميركي» في اختراع جميع آلات «الحرب الناعمة»، أي على الجبهة الثقافية.
أما الأداة الأساسية في ذلك كله فيتم تحديدها باللجوء الكبير إلى تشجيع البحث إلى جانب زيادة القدرات في قدرات التخزين وتوسيع شبكات التواصل. أما الأوروبيون، وفي مقدمتهم الفرنسيون، فقد وجدوا أنفسهم في موقع «المراقبين السلبيين» لثورات تجري أمامهم ولا يفهمون لغتها، بل لا يدركون أحيانا فوائدها.
يمثل الكتاب بأحد وجوهه صرخة احتجاج حيال مظاهر الاستسلام التي تبديها الثقافة الفرنسية خاصة، والأوروبية عامة، أمام الثقافة الأميركية «الزاحفة» و«المهددة».
وإذا كانت القارة الأوروبية تمتلك ثقافة عريقة وعدد سكان يزيد كثيرا على عدد سكان الولايات المتحدة، فإن المشكلة الأوروبية تكمن بــ «عدم وجود برنامج ثقافي»، كما يحدد المؤلف القول، هذا إلى جانب المبالغة في الدفاع عن الثقافات الوطنية.
يضاف إلى هذا عنصر هام وحاسم يحدده المؤلف بضحالة الميزانيات الثقافية الأوروبية بمجملها للثقافة لا يكاد يتجاوز كلفة فيلم أميركي كبير واحد.
والمبدعون الأوروبيون لا يحظون بالمساعدة الحقيقية من السلطات العامة، هذا إلى درجة أن «بقرة أوروبية» تنال من المساعدات أضعاف ما يحظى به «مبدع أوروبي». هذا أيضا على عكس ما يجري على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي، حيث تقوم «صناعة ثقافية حقيقية» تمثّل أوروبا أحد أسواقها الأساسية.
وتتمثل الخلاصة الجوهرية لهذا الكتاب في القول إنه ينبغي للثقافة أن تغدو في صميم مشروع المجتمع. وفرنسا دون ثقافة لا تخدم في شيء. كذلك ينبغي أن تعود الثقافة برأي المؤلف، إلى صميم النقاشات السياسية. وفي المحصلة كتاب- محاولة لإيقاظ «الرغبة الضائعة» في تثبيت «الاستثناء الثقافي الفرنسي».
الكتاب: خلل من صناعة فرنسية، أو قصة الاستسلام الثقافي
تأليف: اوليفييه بوافر دارفور
الناشر: غاليمار- باريس -
2011
الصفحات: 142 صفحة
القطع: الصغير
Bug Made in France
Olivier Poivre dArvor
Gallimard - Paris- 2011
241 p.
