الحرب هي الدراما الإنسانية التي تتكرر نفس مشاهدها عبر التاريخ، دون أن يمل منها المحاربون الذين يرسمون لوحة واحدة لا تتغير ملامحها الأساسية هي الدماء والخراب، وفي كتاب «الناس والحرب» يعرض المؤلف أسامة علي الصادق تجربته الشخصية كعقيد «متقاعد» في القوات المسلحة المصرية خلال حرب 1967 بين مصر وإسرائيل،.
وهي الحرب التي هزمت فيها إسرائيل مصر، واحتلت أجزاء واسعة من أراضي 5 دول عربية بما فيها شبه جزيرة سيناء المصرية بالكامل، إضافة إلى القدس الشريف وقطاع غزة والضفة الغربية وهضبة الجولان السورية، ويصف المؤلف في كتابه بالتفصيل المشهد الذي جرى على أراضي سيناء،.
وهو مشهد كان هو نفسه مشاركاً فيه، ويعرض التفاصيل الدقيقة لوضع الحشود العسكرية المصرية التي تعرضت للإبادة بلا رحمة من جانب القوات الإسرائيلية، والحالة المزرية التي كان عليها الجيش المصري أفراداً ومعدات، وانتهت بهم هذه الحالة إلى هزيمة عسكرية لم تعرف مصر مثيلاً لها طوال تاريخها الحديث والمعاصر.
إلا أن المؤلف في كتابه الذي يأخذ شكل السيرة الذاتية يحرص على أن ينفي الصورة السلبية التي استقرت في أذهان الملايين داخل مصر وخارجها عن الجيش المصري خلال أيام الهزيمة في الحرب التي عرفت باسم «حرب الأيام الستة»، وهي صورة تشكلت ملامحها الأساسية من مشاهد الهروب والاستسلام والضياع التي حدثت خلال هذه الأيام للقوات المسلحة المصرية في شبه جزيرة سيناء.
وامتدت هذه الفوضى حتى القاهرة التي عاشت أيام انكسار وهزيمة لم تعرفها في تاريخها من قبل، ما دفع زعيماً تاريخياً بحجم الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر إلى أن يعترف بمسئوليته عن الهزيمة وأن يتنحى عن منصبه.
وعلى عكس هذه الصورة فإن الكتاب، الذي يتكون من 29 فصلاً تتوزع على 3 أجزاء، إضافة إلى خاتمة، يعرض صوراً مضيئة لقيادات عليا ووسطى، بل ولأفراد وجنود عاديين في القوات المسلحة المصرية لم تستسلم للهزيمة وقاتلت بشجاعة نادرة وبشراسة لا مثيل لها في ظروف غير متكافئة للدفاع عن شرف العسكرية المصرية.
وفي مقدمة من 4 مقدمات للكتاب، يشير المؤلف إلى الحديث النبوي الشريف الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم «إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا منها جنداً كثيفاً فهم خير أجناد الأرض.. قيل ولم يا رسول الله؟ قال لأنهم في رباط إلى يوم القيامة».
ويتناول الجزء الأول من الكتاب ما يصفه المؤلف على امتداد فصول هذا الجزء بأهوال الانسحاب غير المنظم للقوات العسكرية المصرية من شبه جزيرة سيناء بعد الهزيمة، ويعرض المؤلف لخبرته الشخصية خلال خدمته في إحدى الوحدات العسكرية المصرية، التي تم الزج بها في المعركة.
حيث لمس المؤلف الذي كان ضابطًا في القوات المسلحة في هذا الوقت بنفسه التأثير السلبي لمشاركة القوات المسلحة في حرب الاستقلال اليمنية.
حيث عادت هذه القوات من اليمن وأفرادها جنودا وصف ضباط بل وحتى ضباط يعانون من حالة عدم انضباط لم يعتد عليها الجيش المصري، كما يعرض للحالة التي كان عليها الجنود في ذلك الوقت، ومعظمهم من كبار السن والأميين الذين لا يتسلمون أكثر من بذلتين عسكريتين إحداهما للإجازات والأخرى للتدريب والنوم والخدمة، وتصبح هذه البذلة بعد أسابيع مهلهلة فيؤدي ذلك إلى انحطاط مستمر في روحهم المعنوية.
ويعرض المؤلف لتفاصيل زحف القوات المصرية نحو شبه جزيرة سيناء.
حيث كان المؤلف في ذلك الوقت يتولى قيادة فصيلة مشاة تم الدفع بها إلى منطقة العمليات والمفارقات التي صحبت وصول القوات المسلحة المصرية في ذلك الوقت إلى منطقة القتال، رغم عدم استعداد القوات المسلحة المصرية عسكرياً ولا تنظيميًا للحرب.
ثم يعرض لتفاصيل اللقاء الذي جمعه مع ضباط آخرين بالمشير عبدالحكيم عامر، القائد العام للقوات المسلحة المصرية في هذه الفترة، ويصف اللقاء بأنه كان معنوياً، وشهد تصفيقًا وتهليلاً ثم عاد كل ضابط إلى وحدته في انتظار ساعة المعركة.
كما يقدم المؤلف وصفا للحالة المزرية للجنود المصريين الذين تم استدعاؤهم على عجل من الاحتياط، لاستكمال التشكيلات وهم غير مؤهلين نفسياً أو بدنياً للحرب، وهو ما فاقم من خسائر الجيش المصري بعد ذلك عندما بدأت الحرب بالفعل.
وفي صباح الخامس من شهر يونيو يبدأ المؤلف في سرد يوميات الهزيمة التي حدثت في صحراء شبه جزيرة سيناء، وبداية الغارات الإسرائيلية على وحدات الجيش المصري التي بدأت مهامها بتدمير مخازن الذخيرة أولاً، ثم مستودعات الوقود والمياه والطعام، وبعد ذلك مراكز القيادات، وبعدها أسقطت القوات الإسرائيلية وحدات من المظلات على مواقع وحدات مدفعية الميدان.
ولجأ بعض جنود وحدات المدفعية إلى الوحدة العسكرية التي كان يقودها المؤلف لطلب أسلحة خفيفة يدافعون بها عن أنفسهم؛ لأن المدفعية بطبيعتها كسلاح للقصف المساحي عن بعد لا يجدي ولا يمكن استخدامه في المواجهات المباشرة بين الجنود المصريين والعدو.
ويعرض المؤلف للمعارك التي نشبت بين الجنود المصريين والإسرائيليين وجها لوجه، ولأصوات نواح الإسرائيليين على قتلاهم، وهو ما يؤكد أن الجندي المصري كان قادراً في كل الأحوال على القتال، وأن القيادة هي التي خانته وتسببت في هزيمة الجيش المصري في عام 1967.
الكتاب: الناس والحرب
تأليف: أسامة علي الصادق
الناشر: الهيئة المصرية
العامة للكتاب
الصفحات: 421
القطع: الكبير
