نالت الكاتبة والروائية الفرنسية كلير غالوا شهرة كبيرة في بلادها بعد أن صدر لها كتاب عن حياة العاطلين عن العمل والبؤساء والمستبعدين في المجتمع. ولم تتردد في منح كل ما نالته عن ذلك العمل من «حقوق المؤلف» إلى إحدى جمعيات الدفاع عن حقوق العاطلين عن العمل.
وهي تكرّس كتابها «العيش حراً» الصغير الحجم، إنما الذي نال شهرة كبيرة، للأحداث التي عرفتها تونس في مطلع هذا العام 2011.
ومن خلال مسيرة حياة محمد طارق البوعزيزي الذي أضرم النار بنفسه احتجاجا على الإهانة التي وجهتها له شرطة بلدية مدينته يوم 17 ديسمبر 2010 تحاول المؤلفة إبراز الآليات التي دفعت الشعب التونسي إلى الانتفاضة ضد نظام الحكم السابق، بكل ما كان يتسم به من «استبداد وفساد ومحسوبيات».
تبدأ المؤلفة بالقول إن تاريخ 17 ديسمبر 2010 لا يدل على إضرام محمد البوعزيزي النار بنفسه فحسب، ولكن أيضا تاريخ الانتفاضة التونسية التي أنهت بعد شهر واحد من انطلاقها نظام حكم كان قد استمر لأكثر من ثلاثة عقود. وهو أيضا تاريخ انطلاق موجة من الاحتجاجات وصلت أصداؤها إلى مختلف أرجاء العالم العربي. وكانت مصر هي المحطة الثانية لها و«اللائحة قد تطول»، كما نقرأ.
وتبدأ المؤلفة كتابها ببعض الكلمات التي كان محمد البوعزيزي قد قالها في لحظاته الأخيرة ؟ حيث فارق الحياة يوم 4 يناير- كانون الثاني من عام 2001 متأثرا بحروقه.
في ذلك التاريخ كانت الانتفاضة التونسية قد عرفت «منعطفا حاسما لا عودة معه إلى الوراء». إن وفاته تعيد إلى الذاكرة كلمة كان قد قالها ذات يوم ماوتسي تونغ، الزعيم الصيني الشهير، ومفادها أن «هناك موتى بوزن الريشة وموتى آخرون يبلغ ثقلهم وزن جبل».
بهذا المعنى ترى المؤلفة أن «ثورة الياسمين» أزهرت في الواقع بتربة البؤس واليأس الذي جسّده ذلك الشاب الفقير. ذلك الوضع المعاشي الصعب هو الذي دفعه إلى إضرام النار بنفسه أمام بناء بلدية مدينته «سيدي بوزيد».
وذلك «الاحتجاج» المتطرّف إلى حد اتخاذ قرار الموت الذي ترى به المؤلفة «صدمة كبيرة» هو الذي دفعها كما تؤكد، للكتابة بعواطفها وبقلبها أكثر مما هو بعقلها وبحسابات السياسة الصغيرة.
وترى كلير غالوا أن تلك «الحركة» الانتحارية التي قام فيها ابن البلدة الصغيرة احتجاجا على «مصادرة» ما كان يبيعه من سلع بسيطة على «عربته الجوّالة» كانت تعبيرا «بليغا» و«مصمما» و«رفضا أخيرا لما لم يكن بالإمكان الاستمرار بتحمّله».
بالوقت نفسه كانت «المخرج الوحيد» من أجل النجاة من الملاحقات البوليسية التي سممت عليه حياته، وهو الذي لم يكن يبحث سوى عن تأمين القوت الضروري لأفراد أسرته التي كان معيلها الرئيسي.
إن تلك «الحركة» التي قام بها محمد البوعزيزي والتي ألهبت المشاعر ودفعت مئات الآلاف من التونسيين للخروج إلى الشوارع كان «يمكن ألا تتجاوز حدود الأفعال المأساوية» التي تسردها الصفحات الداخلية للجرائد تحت باب «الأحداث المتفرّقة».
كان يمكن أن يبقى إضرام ذلك الشاب الفقير النار بنفسه حدثا عابرا لو لم يكن ملايين الفرنسيين يشاركونه بؤسه ومعاناته، كما تشرح المؤلفة التي تحدد المجرم الحقيقي بالنظام الذي كان سائدا، والذي وصلت فيه نسبة العاطلين عن العمل بين سن 15 سنة و29 سنة أكثر من 70 بالمائة. باختصار كان الأفق مسدودا أمام جيل كامل من الشباب.
الكتاب: العيش حرا
تأليف: كلير غالوا
الناشر: الناشر: ليديتور- باريس- 2011
الصفحات: 34 صفحة
القطع: الصغير
Vivre libre
Claire Gallois
LEditeur - Paris- 2011
43 p.
