تحظى مدينة نيويورك بشهرة عالمية كبيرة، وهي مدينة لها تاريخها منذ اللقاءات الأولى بين الأوروبيين وأبناء البلاد الأصليين. ويرى دافيد سترادلينغ، أن للطبيعة المحيطة بالمدينة دوراً مركزياً في صياغة تاريخ ولاية نيويورك، كما يشرح في كتابه الذي يحمل عنوان: «طبيعة نيويورك».
ويحدد المؤلف القول ان الطبيعة لعبت دوراً مزدوجاً «واقعياً» و«أسطورياً» في تاريخ ولاية نيويورك منذ الحقبة الاستعمارية. ويرى أن الموارد الطبيعية المتنوعة والوفيرة التي تمتلك عليها من غابات وصيد ومياه عذبة وأراض خصبة ومشاهد خلابة كانت بمثابة «نقطة انطلاق» ملائمة للازدهار اللاحق لهذه الولاية الثرية بالقياس إلى العديد من الولايات الأميركية الأخرى.
ويدرس الكتاب الكيفية التي تمّت بها عمليات استثمار الثروات الطبيعية لولاية نيويورك وكيفية إدارتها. ذلك بالتوازي مع دراسة تطوّر الأفكار حيال الطبيعة والتي كانت ذات أهمية كبيرة وحاسمة في بعض الفترات وذلك ابتداء من آليات التسويق الرأسمالي للموارد الطبيعية وحتى الاستثمار الأمثل لقوى الطبيعة.
بكل الحالات تحت فكرة الطبيعة مكانة مركزية في تحليلات هذا الكتاب الذي يتم تقديم تاريخ نيويورك فيه كـ«حكاية مستمرّة للتداخل بين البشر والأمكنة المحيطة بهم». وعبر هذه الحكاية جرى «خلق صلات ثقافية قامت عليها هوية نيويورك».
يتم في هذا السياق تقديم البراهين أن تاريخ الولاية يمكن تقصّيه على ضوء الحقب التي تمثل مراحل في التنمية. ويظهر أن ولاية نيويورك عرفت دورات من عمليات اجتثاث الغابات وإعادة زرعها ومن تدمير المساكن وإعادة بنائها، الأمر الذي كانت له آثاره المباشرة على تغيير التوزيع الديموغرافي وعلى السياسات العامة للجهات الحكومية وعلى الاقتصاد بصورة عامة.
ويؤكد المؤلف أن فهم هذه المعطيات كلها وتاريخيتها وآفاقها هو ذو أهمية أساسية من أجل فهم ولاية نيويورك، هذه الولاية ـــ الإمبراطورية بكل تعقيداتها.
إن مفهوم الولاية-الإمبراطورية يتناظر بالتأكيد مع تعريف روابط ثقافية. وقد كانت نيويورك، كما يقدمها المؤلف، بوتقة لمجموعة من الأفكار حول الطبيعة الثقافية برزت في القرن التاسع عشر ووجدت أصداءها في سياسات الولاية حيال البيئة. تلك السياسات التي كان لها تأثيرها على السياسة القومية الأميركية في هذا الميدان.
ذلك أيضا على أساس «التنوّع الكبير للطبيعة بولاية نيويورك، من مناطق نائية وبدائية ومناطق ريفية وغيرها شبه مدينية ومدينية، وبهذا المعنى كان مسرح تاريخها لكل أنواع الأمكنة».
ويوجد في ولاية نيويوك عدداً من الأمكنة الشهيرة في التاريخ «الطبيعي» الأميركي مثل شلالات نياغارا وسنترال بارك وليفيتاون وهدسون ريفر وغيرها. وكذلك عدد من رموز التاريخ الأميركي الذين ليس أقلّهم شأناً تيودور فرانكلين ديلانو روزفلت وفريديريك موز وغيرهم. يكتب المؤلف:
«عبر تاريخ هؤلاء البشر وتلك الأمكنة تمكن مقاربة التاريخ الأميركي للبيئة من التغيرات التي عرفتها الأرض بسبب الاستعمار الأوروبي وتنامي التجارة وحركة العمران والحضور القوي لرؤية رومانسية للطبيعـــة وتطـــوّر الصناعـــة بـكل امتيازاتهـــا وسيئاتها».
يؤكد المؤلف على «أهمية السوق والبحث الدؤوب عن المكاسب الماديّة في صياغة المشهد النيويوركي منذ البدايات التي أعقبت وصول الأوروبيين». ثم يضيف مشيرا إلى أن تطوّر الفكر الاقتصادي «جعل من تكديس الثروة عاملا أساسيا بالنسبة للبيئة المحيطة التي عرفت تغيّرات كثيرة من جرّاء ذلك».
ثم كان هناك تأثير كبير من جراء وصول مجموعات أوروبية مختلفة على ثقافة «تحسين البيئة» ونوعية «المزارع» الجديدة. يتم التأكيد في هذا السياق على الدور الذي لعبه الهولنديون خاصة من خلال استثمار موارد الأراضي التي استعمروها.
يشرح المؤلف دور «التدخل الإنساني الهندسي» في تغيير المشهد في ولاية نيويورك عبر أعمال عديدة ابتداء من بناء «قنال ارييه» وحتى إنشاء «مشهد مائي» من أجل تحسين النقل والإنتاج الزراعي. ويتم التركيز في هذا الإطار على تعاظم المدن الذي ترافق مع بناء شبكة الأقنية المائية والسكك الحديدية. وتواكب ذلك مع زيادة موارد الحكومة المحلية.
يدرس المؤلف «معارك البيئة» في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. أي في الفترة التي «سممت فيه المنتخبات الكيميائية السامّة والآثار النووية الهواء والماء والأرض». وأيضا الفترة التي عرفت تعاظم حركة أنصار حماية البيئة باسم «درء الأخطار التي تهدد الصحّة الإنسانية»، وصد «التجارب النووية» والمطالبة بالحد من استخدام «مبيدات الحشرات» في الزراعة.
وكتاب عن التداخل بين الثقافة والطبيعة، ونقاشات حول الآداب والفنون التي صاغت الأفكار التي صاغت مشهد نيويورك «الثقافي-البيئي».
الكتاب: طبيعة نيويورك
تأليف: دافيد سترادلينغ
الناشر: جامعة كورنيل - 2010
الصفحات: 277 صفحة
القطع: المتوسط
The nature of New York
David Stradling
0102 -sserP ytisrevinU llenroC
.
