«ألف ليلة وليلة» كتاب خلب لُبَّ العرب والغربيين على حد سواء، ولعل الكاتبة المصرية سهير القلماوي من أشهر من حاول تقصي حقيقة «ألف ليلة وليلة» في رسالتها للدكتوراه التي أشرف عليها عميد الأدب العربي، الدكتور طه حسين،.

 

لذلك لم يكن غريباً أن تستوحي من قصصها في المجموعة القصصية التي حملت اسم «الشياطين تلهو»، التي صدرت في سلسلة أدباء القرن العشرين عن الهيئة العامة للكتاب في مصر عوالم «ألف ليلة وليلة»، التي تدور حول عالم الجن والشياطين الذي يلف العالم السحري لحكاياتها، وما يسقطه ذلك من إشارات على العالم المعاصر الذي نعيش فيه، والصراع اليومي بين قوى الخير وقوى الشر.

 

تقع المجموعة القصصية في ‬14 فصلا يتضمن كل فصل قصة مستقلة، إضافة إلى مقدمة للمجموعة، وتقديم بقلم الدكتور عبدالسلام الشاذلي، أستاذ الأدب والنقد الحديث والمعاصر في الجامعات المصرية، وإذا كانت المقدمة تتناول الإشارة إلى قصة الجنية «ميمونة بنت الدمرياط» والجني «دهتش بن إبليس» ضمن قصة الملك «قمر الزمان بن شهرمان» .

 

فإن التقديم يتناول ما يصفه الدكتور عبدالسلام الشاذلي بشعرية السرد في المجموعة التي بين أيدينا وهي «الشياطين تلهو»، فيقول الشاذلي في مقدمة المجموعة: «إن المؤلفة ورثت من بيئتها الأسرية والاجتماعية قيم الترفع والاستعلاء عن الصغائر، والطموح لما هو أجمل وأنفع،.

 

كما اكتسبت من بيئتها العلمية والأدبية عن طريق أستاذها عميد الأدب العــربي الدكتور طـــه حسين، وفي خــارج مصر عن طريق اتصالها المباشر بأساتذة السوربون وغيرهم في باريس ولندن وأميركا، قيمــــًا علمية وثقافيـــة رفيعة ومتنوعة.

 

ويضم الكتاب ‬14 قصة اختارت المؤلفة لها جميعاً عنوان «الشياطين تلهو»، حتى تؤكد على مشهد عالم الجن والشياطين الذي يلف العالم السحري لحكايات ألف ليلة وليلة، وانعكاس ذلك في العالم الحقيقي الذي نعيش فيه وما به من صراعات بين الخير والشر،.

 

وتهــــدف المؤلفة من وراء ذلك إلى كسر الحواجز النفسية والزمنيــــة بين الإنسانيـــة وحاضرها، رغم أن الكاتبة تستلهم قصصها من «ألف ليلة وليلة»، إلا أن ثمة ملامح من حياة القلماوي تظهر في هذه اللوحات التي شكلت منها قصصها القصيرة، وإن حاولت المؤلفــــة في بعض الجوانب أن تخفي ما سيتصل بشخصيتها،.

 

إلا أن الأثر الشخصي كان من الصعب إخفاؤه في كل صفحات المجموعة القصصية، وهذا ما يطرح إشكالية العلاقة بين حياة الكاتب وشخصه وبين حياة شخصياته الفنية وملامح هذه الشخصيات.

 

وفي القصة الأولى من المجموعة بعنوان «وحدي في الزحام» تبدو الملامح النفسية والاجتماعيـــة لبطلة القصة قريبة الشبه جداً من سهير القلمـــاوي، وإن كانت هذه القصة تعالج قضية اجتماعية سياسية.

 

وهي وجود الفقر على مرمى حجر من الغنى الفاحش، فإننا في قصة «حلم صحافي» نجد معالجة فنية واعية لابعاد الحضارة الغربية في كل من أميركا وبعض البلدان العربية الأخرى، حيث تقوم بطلة القصة برحلة ثقافية لإحدى الجامعات الأميركية «جامعة بركلي» بصحبة وصيفتها السيدة «بركنز».

 

ولا شك في أن قسمات ملامح بطلة هذه القصة توحي ببعض ملامح القلماوي الحريصة كل الحرص على معرفة الحيـــاة الجامعيــــة وتطورهـــا في كل من أوروبـــا وأميركــــا، وتستعين الكاتبــــــــة في قصتها هذه بتقنية السرد في طريقة الحكي لألف ليلة وليلـــة، حيث يتداخل سرد القصة الأساسيـــة مع سرد حكايات جانبية أخرى؛ لتكشف جوانب مختلفة من طبيعة الحياة الإنسانية في أوروبا وأميركا.

 

أما في قصة «وابدئي من جديد»، فتصـــور لنا الكاتبـــة معانــاة الأخت الراهبــة التي عاشت بمصر فترة من الفترات، ثم هاجرت إلى لبنان وشهدت حياتها هناك تحولات شتى، ونرى الكاتبة تصـــف لنا الجو العام المحيط بدير الراهبات الملاصق لحديقة بيتها، فتقـــول في عبارات شعريـــة جميلـــة دون أن تفقد ذرة واحدة من موضوعات السرد الفني:

 

«الجو كله مشبع برائحة زهرة الليمون تفوح من حديقة دير الراهبات الملاصقة لحديقتنا، وشجرتا الكافور العتيقتان تلوحان هناك في الأفق البعيد منعكستين في سماء الغروب الصافية.

 

وكأنهما لوحة فنية أبدعتها يد فنان أصيل، إلا أنهما تفوقان في الفن عبقرية البشر في أنهما تتماوج فروعهما مع نسمات الريح الدافئة الهادئة التي تهب من حين إلى حين فتحدث صوتًا من الحفيف الخافت كهمهمة الأرواح، فتزيد الجو كله سحراً وغموضاً».

 

وهكذا تدور عجلة الأفكار الشيطانية في باقي قصص المجموعة؛ لتعرض مفارقات تثني بأسلوب متدفق ومتميز بالحيوية والسلاسة، محتفظة لنفسها ولقارئها بمسافة موضوعية تتصل فيها شخصياتها أحداث القصص بجوانبها الاجتماعية والثقافية.

 

 

الكتاب: الشياطين تلهو

تأليف: سهير القلماوي

الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب

‬2011 الصفحات: ‬196 صفحة

القطع: كبير