الأقليات كانت الورقة التي استغلتها الولايات المتحدة الأميركية لإثارة التوترات السياسية في الدول الإسلامية، هذا هو ما يؤكد عليه كتاب «الاستغلال الأميركي للأقليات»، من تأليف الدكتور محمد عمارة، حيث يقول المؤلف إن الكونجرس الأميركي أصدر في أكتوبر ‬1988 ما سمي بـ«قانون الحريات الدينية في العالم».

وهو القانون الذي مهد له وسعى إلى إصداره أركان الأصولية الصهيونية واليمين الديني الإنجيلي في الولايات المتحدة الأميركية، وبهذا القانون أطلقت أميركا مرحلة جديدة في تاريخ الإنسانية عرفت بمرحلة العولمة.

في إطار ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، التي أعقبت سقوط الثنائية القطبية في النظام الدولي بسقوط وانهيار المعسكر الشيوعي أواخر سنة ‬1990، وسعت أميركا في هذه المرحلة إلى الانفراد بالنظام العالمي، وتهميش الشرعية الدولية وقواعد القانون الدولي، معتبرة ذلك نهاية التاريخ.

مشيرا إلى أن أميركا بإصدارها لقانون الحريات الدينية في العالم أعطت لنفسها حق مراقبة الحريات الدينية في العالم، وإصدار الأحكام الأميركية على الدول والأمم والحضارات، بل وتوقيع العقوبات؛ ليحل قانون الحريات الدينية في العالم محل القانون الدولي.

وينتقد المؤلف ما يدعيه التقرير الأميركي من أن مصر تقيد حرية الاعتقاد الديني، وفي هذا الصدد يعرض المؤلف للضوابط التي تحكم دور العبادة في مصر على اختلافها، سواء كانت مساجد أو كنائس، فيقول إن هناك شروطًا تضعها الحكومة المصرية لبناء المساجد تنطبق على بناء الكنائس، منها أن من يريد بناء مسجد عليه أن يقوم بإيداع ‬50 ألف جنيه مصري في أحد البنوك المصرية ضماناً للجدية، وهو ما لا نظير له ضمن ضوابط بناء الكنائس.

كما أن نسبة الكنائس للمواطنين المصريين المسيحيين مقاربة لنسبة المساجد للمصريين المسلمين، ويؤكد الكاتب أن الكنائس القائمة على أرض الواقع هي ‬3 أضعاف الكنائس المرخص بها رسميًا، ثم إن كنائس مصر وأديرتها مفتوحة الأبواب على مدار الليل والنهار ومنابرها حرة لا رقيب عليها، بل إن بعض هذه الكنائس تصدر مجلات ونشرات دورية غير مرخص بها،.

وهو وضع لا نظير له أيضا في أي مسجد من مساجد المسلمين، كما أن جميع قيادات الديانة المسيحية تعينها الكنيسة دون أي تدخل من الدولة على عكس الوظائف الدينية الإسلامية التي تتم بالتعيين من قبل الحكومة.

ويتعرض المؤلف لما اعتبره مزاعم تقرير الخارجية الأميركية حول منع الحكومة المصرية حرية التبشير بالمسيحية في مصر، ويعتبر المؤلف أن ذلك يأتي في إطار القانون المصري الذي يمنع ما يصفه بالتنصير الذي تمارسه دوائر أجنبية غربية مباشرة أو بالوكالة والعمالة.

وهو تنصير ممول من الخارج وجاء إلى مصر مع الغزو الاستعماري الغربي منذ القرن التاسع عشر.

ويؤكد المؤلف أن الكنيسة المصرية الأرثوذكسية نفسها اشتكت من التنصير البروتستانتي على أرضها،.

كما يقوم المنصرون بما ينطبق عليه وصف القانون المصري لجريمة ازدراء الأديان، من خلال محاولات لا أخلاقية للكذب على عقائد الإسلام والتدليس على علماء المسلمين، معتبراً أن التنصير الممنوع في مصر هو الذي يمثل الجناح الديني للغزوة الاستعمارية الغربية الحديثة والمعاصرة مثل ما حدث في العراق عندما دخل المنصرون على ظهور الدبابات الأميركية خلال الغزو الأميركي ضد العراق.

ويتعرض المؤلف لقضية شائكة أخرى تتعلق بتحريم زواج المسلمة بغير المسلم، وهو ما حاولت وزارة الخارجية الأميركية استغلاله من خلال تقريرها الذي زعمت فيه أن سماح الإسلام للمسلم بالزواج من نصرانية أو يهودية ثم منع المسلمة من الزواج من النصراني أو اليهودي هو تمييز سلبي وتعصب ديني ضد غير المسلمين.

وحول ما أثاره التقرير الأميركي للحريات الدينية من أن مصر لا تسمح بالزواج بين المسلمين وأهل الديانات الوضعية غير الإسلامية، فيعتبر المؤلف أن ذلك ينم عن جهل أيضا، لأن مصر ليس بها ديانات غير سماوية.

أما عن المشاركة السياسية للمسيحيين فيتحدث التقرير الأميركي عن ضعف مشاركة المسيحيين المصريين في الانتخابات النيابية، معتبرا ذلك تمييزاً سلبيًا ضدهم، كما أنه مجانب للحقيقة؛ لأن ما وصفه المؤلف بالسلبية المسيحية في المشاركة بالعمل السياسي هو جزء من ظاهرة مصرية عامة تشمل المسيحيين والمسلمين على حد سواء.

وتلك الظاهرة تعود لأسباب عديدة نشأت وتراكمت منذ ثورة يوليو سنة ‬1952 منها غيبة الحياة الحزبية عن المجتمع المصري لأكثر من عقدين من الزمان ومن ثم غيبة الحراك السياسي عن الأجيال التي ولدت في تلك الحقبة، وضعف مستوى الحراك الحزبي بعد عودة الحياة الحزبية إلى مصر.

الكتاب: الاستغلال الأميركي للأقليات

تأليف: د.محمد عمارة

الناشر: مكتبة وهبة القاهرة ‬2011

الصفحات: ‬100 صفحة

القطع: الصغير