يعترف المؤرخون عامة أن الرئيس الأميركي الأسبق ابراهام لنكولن هو أحد الرواد في إطار حركة التحرر خلال التاريخ الأميركي. لكن لنكولن كان أحد دعاة الاستعمار عبر الترويج لفكرة إرسال العبيد من الأميركيين ذوي الأصول الإفريقية إلى مناطق أخرى في العالم كي يعيشوا فيها كـ«أحرار».
هذه الفكرة هي التي يتعرّض لها الباحثان الأميركيان فيليب دبليو ماغنيس، الأستاذ في الجامعة الأميركية بواشنطن، وسيباستيان ن. باج، الباحث في المعهد الملكي التابع لجامعة أكسفورد، في كتابهما الذي يحمل عنوان:
«الاستعمار بعد التحرر» مع عنوان فرعي مفاده: «ابراهام لنكولن والحركة من أجل إعادة توطين الأميركيين السود».ويشرح المؤلفان أن لنكولن كان قد حاول خلال فترة إدارته القيام بمقاربات «غير تلك السائدة قبله» من أجل التصدّي لمشكلة العبودية.
وكان من جملة تلك المقاربات إعداد برامج لإعادة توطين الأميركيين السود في باناما وهايتي، وذلك في الفترة الأولى من رئاسته. ثم دافع بوضوح وصراحة عن مثل تلك الفترة حتى خريف عام 1862.
وما يسعى إليه المؤلفان بالتحديد هو «سبر المجهول» من أجل الوصول إلى الحقيقة بخصوص موقف ابراهام لنكولن من مسألة «الاستعمار». ويصل المؤلفان في تحليلاتهما، اعتمادا على الوثائق التي وجداها في المخزونات الأرشيفية، وخاصة في كولومبيا .
وفي مكتب الوثائق الخارجية الأميركية، إلى التأكيد أن التاريخ «أهمل» حقيقة مفادها أن لنكولن استمر في متابعة النهج «الاستعماري» لمدة تقارب العام بعد إعلان «وثيقة التحرير». بل ويذهب المؤلفان في تأكيدهما إلى حد القول ان لنكولن كان «ربما» حاول استئناف العمل بذلك النهج السياسي «الاستعماري» لحظة اغتياله.
ومن «الأسرار» التي يكشفها المؤلفان تأكيدهما أن الإدارة الأميركية قامت في ظل لنكولن بـ«مفاوضات سريّة» مع الحكومة البريطانية بغية البحث عن مناطق «ملائمة للاستعمار» في بحر الانتيل.
كذلك يبيّن المؤلّفان في هذا السياق الآلية التي عملت فيها الحكومة الأميركية مع «عناصر بريطانيين» ومع «قادة من المجموعة السوداء الحرة» في منظور البحث عن مرشحين للهجرة مستعدّين للإقامة في المناطق «المقترحة» للاستعمار.
وهنا أيضا يفتح المؤلفان قوسين للتأكيد أن مثل ذلك النهج «الاستعماري» لم يكن يحظى أبدا بشعبية كبيرة داخل الإدارة الأميركية، وإدارة لنكولن نفسها، بل كان على العكس مصدر شقاق عندما بدأ الرئيس ومساعدوه النقاش حول الرقابة على «الصندوق» الذي وافق الكونغرس على تأسيسه من أجل «استعمار مربح» اقتصاديا.
وتشير بعض الخطط التي يتم الكشف عنها في هذا الكتاب أن الأمر وصل إلى تحديد «الشحنة» الأولى من المستوطنين التي كانت على وشك الإبحار إلى منطقة الكاريبي، ولكن لم يتم تنفيذ تلك الخطة بسبب الخلافات الداخلية في إدارة لنكولن.
ويحدد المؤلفان، في إطار بحثهما عن النهج «الاستعماري» الذي تبنّاه لنكولن وحاول تطبيقه حتى بعد إعلانه وثيقة تحرير العبيد، الكثير من الأسماء التي عملت في إطار مشاريع «توطين» الأميركيين السود في منطقة بحر الكاريبي وغيرها مثل «جون ويليس مينار»، الأميركي الأسود الأول الذي جرى انتخابه كعضو في مجلس الكونغرس، وكان قد أبدى اهتمامه بموضوع التوطين «الاستعماري».
الاستعمار الأسود
«اليوم بعد حوالي 150 سنة من طرح مسألة «الاستعمار الأسود» من قبل لنكولن، لاتزال تتعارض الآراء حول النيّة الحقيقية لذلك الرئيس الأميركي الذي يرتبط اسمه بـ«تحرير العبيد» عام 1863.
وهذا يطرح للنقاش أيضا «إرثه العنصري»، ووثيقة مهمة عن لنكولن والحرب الأهلية الأميركية والظروف التي رافقت إصدار وثيقة «إلغاء العبودية» في ولايات جنوب أميركا.
الكتاب: الاستعمار بعد التحرر
تأليف: فيليب دبليو ماغنيس، سيباستيان ن. باج
الناشر: جامعة ميسوري
2011الصفحات: 178 صفحة
القطع : المتوسط
Colonization after emancipation
Phillip W. Magness, Sebastian N. Page
University of Missouri Press- 2011
178p.
