اوتو فون بسمارك هو أحد أهم الشخصيات الأوروبية في القرن العشرين. والمؤرخ جوناتان ستينبرغ يخصّه بكتابه الأخير الصادر عن جامعة اكسفورد قبل أسابيع قليلة.

ويصف المؤلف بسمارك أنه «العبقرية السياسية» التي استطاعت أن تعيد صياغة القارة الأوروبية وألمانيا الموحّدة خلال سنوات ‬1862-‬1890. وكان بسمارك قد وصل في صيف عام ‬1862 إلى مرتبة وزير- رئيس بروسيا. تتم الإشارة إلى أن أكبر منصب كان قد تولاه قبل ذلك هو سفير لبلاده في روسيا القيصرية.

ولم يكن قد تولّى أبدا أي منصب إداري رفيع. لكن ذلك لم يمنع المسؤول السياسي «المبتدئ» من أن يتصدّى سريعا وعبر عدد من الإجراءات المتتالية لعدد من العقبات التي كانت تعيق الدبلوماسية الأوروبية.

وقد وضع بسمارك لنفسه هدفاً واضحاً هو كيفية إعادة توحيد ألمانيا وإعادة تنظيم أوروبا الوسطى. لقد نجح بسمارك في التغلب على واقع التجزئة الذي كانت تعرفه ألمانيا المجزأة آنذاك إلى ‬79 دولة «ذات سيادة» يجمعها إطار «الكونفدرالية الألمانية».

ويتم التأكيد أن عملية التوحيد تلك أثارت قلقا، بل و«محاولة المنع» من قبل، كل من فرنسا وروسيا اللتين كانتا تنظران بكثير من التشكك لبروز دولة قادرة على تغيير موازين القوى التي كانت سائدة في أوروبا.

ولا يتردد المؤلف في القول: إن النجاح الذي حققه بسمارك في إعادة التوحيد الألماني يمثل النجاح الدبلوماسي والسياسي الأكبر الذي يحققه قائد خلال القرنين المنصرمين». وخلال تسع سنوات قاتل بسمارك أمراء الدول الألمان خلال حربين ثم «ضمهم» إلى سلطته في الثالثة. وجعل بذلك من بروسيا إحدى دول الطليعة في القارة الأوروبية.

من الملاحظ أن المؤلف يعتمد كثيرا على كتابات معاصرة من بينها مؤيدين لبسمارك أو مناوئين له.

ومن خلال هذا كله يرسم صورة لبسمارك تنمّ عن وجوه متعددة وأحيانا متباينة أو حتى متناقضة، لذلك: «المستبد الذي كان يستطيع ذرف الدموع بسهولة».

كما يتم تقديم بسمارك على أنه كان «بروتستانتيا إنجيليا متزمتا» لكن ذلك لم يمنعه من التأكيد على «الطابع الدنيوي للمدارس» ومن القبول بـ«الطلاق المدني». ويتم غالبا وصف بسمارك أنه كان «واقعيا بامتياز» عبر الاعتماد على السلطة والابتعاد عن الشعارات. لكن مؤلف هذا الكتاب كان يراه أكثر تعقيدا من ذلك بكثير.

أما السمة الأكثر «تفرّدا» التي كان يتمتع بها بسمارك فيحددها المؤلف في أنه كان يتصرّف دائما في الأمور العامّة كـ«فيزيائي» يحلل العناصر الرئيسة لكل وضع يواجهه ثم يستخدم تلك العناصر في صياغة رؤية عامة.

هكذا مثلا اقترح على ملكه ثلاثة خيارات أثناء حرب «كريمي»: الخيار الأول هو التحالف مع روسيا القيصرية مما يستدعي توجها محافظا، والثاني هو التحالف مع فرنسا مما يستدعي توجها معاكسا، والثالث هو القيام بمنعطف يستدعي انتهاج سياسات وطنية في بروسيا واستحداث مؤسسات شعبية.

وقد قام بسمارك بثلاث حملات عسكرية، كانت أهداف كل منها محددة بدقة وترمي إلى إخضاع الخصم وليس إلى إذلاله. بكل الأحوال كانت بروسيا في ظل بسمارك بين الدول الأوروبية الأولى التي اعتمدت ممارسة الاقتراع الشعبي العام، وكذلك التي تبنّت إصلاحا تشريعا اجتماعيا عميقا.

وما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أن بسمارك لم يكن «يسود» في أوروبا؛ لأنه كان الأقوى ولكن لأن خصومه كانوا أقل براعة منه. ثم يخلص جوناتان ستيرن إلى القول: «لقد تواكبت اللبرالية والقومية في قسم كبير أوروبا وبجزء كبير من القرن التاسع عشر».

تغيير وجه أوروبا

يرى المؤلف أن بسمارك استطاع خلال التسعة عشر عاما التي أمضاها على رأس السلطة في «تغيير» وجه أوروبا بصورة أكثر جذرية مما «حوّله» أي شخص آخر، ربما باستثناء ممكن يحدده المؤلف، «نابليون بونابرت». لكن على عكس نابليون لم يكن بسمارك «جنرالا» ولا «إمبراطورا».

الكتاب: بسمارك: سيرة حياة

تأليف: جوناتان ستينبرغ

الناشر: جامعة اكسفورد ‬2011

الصفحات: ‬592 صفحة

القطع: المتوسط

Bismarck : a life

Jonathan Steinberg

Oxford University Press- 2011

592p.