يعتقد البعض أن كتاب (إغراء السلطة المطلقة) لمؤلفته بسمة عبدالعزيز تنبأ بثورة 25 يناير لرصده مواطن الخلل في النظام السياسي المصري من خلال رصد العلاقة بين جهاز الشرطة والمواطن، وهي العلاقة التي شغلت الرأي العام المصري، خاصة عقب مقتل الشاب السكندري خالد سعيد بعد تعذيبه على يد اثنين من أفراد الشرطة.
الكتاب هو دراسة بحثية دقيقة ترصد وتشخص بدقة مواطن وأسباب الخلل في هذه العلاقة حديثًا من خلال بحث دؤوب ومنهج علمي متبع في البحث، ولعل ذلك هو ما أهل كاتبته د.بسمة عبدالعزيز للحصول على جائزة أحمد بهاء الدين للباحثين الشباب.
تنطلق الدراسة من نقطة أن العلاقة بين الشرطة والمواطن كانت مستقرة إلى حد كبير لكن ثمة عوامل بعضها سياسية وأخرى اجتماعية واقتصادية كانت باعث التحول فيها. وتعترف الباحثة بأنها لم تستطع أن تحدد النقطة الفاصلة التي تحولت عندها هذه العلاقة،.
لكنها تؤكد أن فصول القمع الشرطي للمواطن كانت تتوالى، لكنها تتوارى فترة وتشتد فترة أخرى، وركزت الباحثة في الدراسة على المواطن الذي لا ينتمي لأي حزب أو جماعة ليكون بؤرة الاهتمام؛ لأنها ترى أنه من الممكن أن يكون طبيعيًا أن تتسم العلاقة بين النظام ومعارضيه بالعنف، لكن أن تتحول العلاقة بينه وبين المواطن العادي إلى عنف شديد كاسح فهذا ما يستحق الدراسة.
يبدأ الكتاب بنشأة وتطور جهاز الشرطة على مر العصور بداية من العصر الفرعوني إلى العصر الجمهوري برؤسائه الثلاثة، راصدًا التطورات التي حدثت في جهاز الشرطة والشوائب التي تراكمت عليه، وتؤكد الباحثة أن الفكرة الرئيسية التي تقوم عليها الأجهزة الأمنية منذ نشأتها ترتكز في الأساس على توفير الاستقرار والحماية للجماعة.
وأن هناك تعاقدًا غير مكتوب تم بين الطرفين يتنازل فيه الأفراد عن بعض حرياتهم مقابل تقديم الحماية، لكن هذا الثمن يكون ظالما ومجحفا في دولة استبدادية، وبسيطا ومتوازنا في دولة ديمقراطية.
ثم تنتقل إلى عهد السادات الذي شهد تراجعًا واضحًا في العنف الموجه للخصوم السياسيين وبداية تعذيب بعض الأشخاص غير الضالعين في أي نشاط سياسي، حيث بدأت تظهر وقائع تعذيب لهؤلاء في منتصف السبعينات.
وتنتقل الكاتبة لعهد مبارك قائلة «خلال عقود حكم مبارك حدث انفلات ملحوظ في العلاقة بين المؤسسة الأمنية والمجتمع، وبدلًا من أن يضفي ظهور رجال الشرطة في الشوارع أمنًا وسكينة صار وجودهم رمزًا للبطش والخوف، واتسم أسلوب الشرطة بالعنف الجسدي ضد كل من السياسيين والمواطنين العاديين».
ثم ترصد الكاتبة منعطفًا خطيرًا في علاقة الشرطة بالشعب وهو المنهجية؛ أي أن ممارسة العنف أصبحت متكررة ومنظمة وتمارس بعمدية وتحديدًا في الفترة من1991 إلى 2009، وتوضح كيف طرأ تطور كيفي ونوعي على العنف الموجه للمواطنين في هذه الفترة، حتى إنه خرج من أقسام الشرطة إلى بيوت المواطنين عند القبض عليهم .
وفي المقاهي والشوارع.. لتوصيل رسالة فحواها كسر الإرادة وعدم جدوى المقاومة. ثم ترصد الباحثة تطورًا أخطر وهو ظهور العنف العشوائي الذي صار بمقتضاه من الممكن أن يستخدم الشرطي مسدسه ضد المواطن لسبب شخصي بحت.
وتتوالى فصول الكتاب لتفسر أسباب تدهور العلاقة بين الشرطة والمواطن، ملقية الضوء على كيفية إعداد رجال ضباط البوليس في كلية الشرطة وسوء الأحوال الاقتصادية التي يعيشون فيها باعتبارهم جزءًا من المجتمع الذي يعاني من عدم العدالة في توزيع الثروة، ولا تستثني من ذلك الدور السلبي الذي لعبه المجتمع نتيجة لثقافة «المدينة الفاضلة» التي ترى أن أي شخص يعذب لابد أنه ارتكب جريمة وأنه لا يوجد أشخاص يُظلمون ويعذَّبون دون سبب.
وتنهي الباحثة الدراسة بفصل عنوانه (انفراط العقد) أي انفراط العقد بين الشرطة والشعب وانعدام الثقة لاعتماد أفرادها على الترويع والبطش وليس الهيبة القائمة على الاحترام وهو ما اعتبر على نطاق واسع نهاية للعقد الاجتماعي بين المصريين وحكوماتهم.
وتعتبر الكاتبة أن مقتل الشاب السكندري خالد سعيد نهاية العام الماضي، ورد فعل الشارع المصري الذي انتقل إلى شبكة الإنترنت ليتابع الإجراءات وتطورات القصاص في هذه القضية لعدم نسيانها - تطورًا جديدًا في أداء المصريين الذين جرت العادة لديهم أن تفتر حماستهم بسرعة.
تقدم الكاتبة عرضًا للعنف في عصر مبارك بشيء من التفصيل باعتباره الظاهرة التي استدعتها للدراسة وتفسيرها نفسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وبالطبع سياسيًا. وتوصلت الباحثة في نهاية فصوله إلى (انفراط العقد) بين الشرطة والمواطن وسقوط هيبتها بعد أن استخدمتها في ترويع وقتل المواطنين بذنب أو دون ذنب يذكر، مستشهدة بمثل شعبي يقول (إذا كان رب البيت بالدف ضاربًا، فشيمة أهل بيته الرقص والطرب).
الكتاب: إغراء السلطة المطلقة
تأليف: د. بسمة عبدالعزيز
الناشر: دار صفصافة
تاريخ النشر: يناير 2011
الصفحات: 127 صفحة
القطع: المتوسط
