توفي مؤسس البنيوية الشهير كلود ليفي ستروس قبل حوالي عام ونصف العام. ومن النشاطات الفكرية التي قام بها إلقاء عدد من المحاضرات في اليابان خلال السنوات الأخيرة من عقد الثمانينات الماضي. تلك المحاضرات يتم نشرها اليوم لأول مرة بعد وفاته في كتاب يحمل عنوان:
«الوجه الآخر للقمر». ومن الواضح أن المؤلف يتكلم عن اليابان بـ«حب كبير»، ولا يتردد في الاعتراف أنه وجد في هذه البلاد «النوع الوحيد من الموسيقى غير الأوروبية الذي استطاع أن يلامس أحاسيسه العميقة». وأيضا البلاد التي «يطهون فيها الأرز مع الأشنيات البحرية».
ويشرح ليفي ستروس أن الأساطير ؟ الميتولوجيا- اليابانية تشكّل أحد أنماط فكر أسطوري عرفته آسيا الوسطى ثم انتقل أيضا إلى أميركا وإلى أوروبا. لكنه يرى أن استخدام وتكييف ذلك الفكر الأسطوري أخذ اتجاهات متعاكسة أحيانا مثلما هي الحالة بالنسبة لكل من فرنسا واليابان.
نقرأ: «إذا كانت فرنسا في إطار النهج الذي تبنّاه مونتين وديكارت قد دفعت بعيدا، وربما أكثر من أي شعب آخر موهبة التحليل والنقد المنهجي في مجال الأفكار، فإن اليابان قد طوّرت، ربما أكثر من أي شعب آخر تذوّقا تحليليا وعقلا نقديا في جميع ميادين العاطفة والحساسية».
ويعيد المؤلف السلوكيات اليابانية «يمتطون الأحصنة من جهة اليمين» إلى البنية اللغوية اليابانية نفسها.
ذلك أن «الفاعل» في اللغة اليابانية هو الذي تنتهي به الجملة بينما يتم البدء في اللغة الفرنسية.
تجدر الإشارة هنا أن الباحث في تطور المجتمعات الإنسانية «جونزو كاواندا» الذي يمهّد لهذا الكتاب بتقديم منه ويختتمه بحوار كان قد أجراه مع ليفي ستروس عام 1993 يرى أن الكثير من السلوكيات اليابانية «مثل امتطاء الحصان من جهة اليمين» هي بالأحرى نتاج تاريخ عسكري ياباني قريب العهد ولا تعكس ذهنية تقليدية قديمة. ومن الملاحظ أن ليفي ستروس يولي أهمية مركزية في هذا الكتاب للحديث عن الثقافة والفن اليابانيين.
هكذا يرى في الآنية الفخارية المعروفة باسم «جومون» أشكالا تسمح بالتفكير أنها تعبّر عن «فن جديد برز منذ 5000 أو 10000 سنة، كما يسمح بالتفكير من جهة أخرى بتجريدات شعرية أو ربما بأعمال بعض الفنانين المعاصرين».
كذلك يتوقف المؤلف للحديث عمّا يسميه «الصفات الفريدة» لإنتاج الحرف اليابانية بكل وجوهها «المرئية وغير المرئية». هذا وصولا إلى «الأجهزة الإلكترونية الصغيرة» الحديثة التي تمثّل «أعمالا مكتملة لا تزال تمتلك قوة جذبها والرغبة في لمسها ورؤيتها».
وفي جميع الحالات يدفع الفن الياباني «نحو أكثر الأسرار عمقا في ماضي الإنسانية». ومن الخصوصيات التي يؤكد عليها ليفي ستروس لدى اليابانيين، وكما لاحظ في مختلف المدن والبلدان والقرى اليابانية، هو أن «كل ياباني ومهما كانت مرتبته الاجتماعية وظروف حياته، ينظر إلى نفسه باعتباره مركز الكرامة والحس السليم وقدرة المبادرة».
ويضيف أن هذا يجد صداه في التعامل من الآلة نفسها، مثل المنشار أو الروبوت أو غيرهما، وعلى عكس ما نراه في أوروبا، يقوم العالم الياباني بـ«شد الآلة نحوه بدلا من دفعها نحو الأمام، أي يضع نفسه في نقطة الوصول وليس في نقطة الانطلاق».
أمّا عبقرية النموذج الياباني فتحددها الجملة التالية للمؤلف: «بين الوفاء للماضي والتحولات التي فرضها العلم والتقنيات، ربما أن اليابان هي البلد الوحيد الذي عرف حتى الآن أن يجد نقطة التوازن (...). وبمقدار ما تستطيع المحافظة على هذا التوازن الثمين بين تقاليد الماضي وتجديدات الحاضر، تقدّم مثالا ينبغي على البشرية فيه فيما هو أبعد من نفعه لليابان نفسها».
الكتاب: الوجه الآخر للقمر
تأليف: كلود ليفي ستروس
الناشر: سويل- باريس- 2011
الصفحات: 208 صفحة
القطع: المتوسط
Lautre face de la lune
Claude Levy Strauss
Seuil - Paris- 2011
.pp 208
