يرى المؤلف شفيق المهدي في كتابه (زمن سارتر) أنَّ المسرح فن يرتكز على محورين أساسيين؛ هما المكان والزمان (هنا) و(الآن). لكنَّه لا يقدم هذين المرتكزين كما هما؛ إنَّه يقدم الوهم بهما؛ لأن معادلة المسرح الأساسية تُبنى على أساس من الوهم بالواقع. وهو بالتالي يقدم زمنه الخاص الذي يميِّزه عن بقية الفنون والعلوم.
يأخذ الكاتب ثلاثة نماذج من نصوص سارتر المسرحية ليستنبط ويستخلص مفهوم الزمن المسرحي عنده.1- مسرحية (الذباب) وفيها زمنان؛ الزمن الأول هو زمن الأسطورة والنص عند الإغريق وهو مادة الزمن الثاني .
والذي هو زمن نص مسرحية الذباب؛ التي يكون الزمن فيها لاواقعياً؛ بمعنى أنَّ البنية الكلية لزمن النص هي بنية تغلفها الأسطورة- لكن سارتر- عالج هذا الغلاف الأسطوري معالجة معاصرة من حيث اللغة والعلاقات والشخصيات والأهداف. إنَّ البنية الزمنية للذباب تناقش مفاهيم مختلفة مثل: الندم؛ الحرية؛ المسؤولية؛ الفرد وعلاقته مع الآخرين.
ويتشظى الزمن العام لهذا النص باتجاهات مختلفة هي:1- زمن شخصية أوريست ـــ وهو زمن أساس لأنه زمن الشخصية الفعالة والأولى في النص. 2- زمن شخصية الكترا- وهو زمن أساسي في النص ينعزل عن شخصية أوريست شكلاً إلا أنَّه يلتقي معه مضموناً من حيث الهدف الرئيسي.
وهو الانتقام لمقتل الأب» أجامنون» فهو منفصل أوَّلاً لأن وجود إلكترا هو كذلك من حيث هو صفة لالكترا يميِّزها عن زمن أخيها أوريست؛ لكنه ينفصل تماماً بعد الانتقام من حيث الشكل والمضمـــون عن زمن أوريست. 3- زمن الإله جوبيتر- وهو مزيج من زمن أسطوري غير واقعي - وواقعي بمعنى أن جوبيتر له حسب النص ما للإنسان من صفات. 4- زمن الكائنات غير العاقلة: الذباب؛ الجنيات. وهو أسطوري خالص فالجنيات لا تشيخ ولا تهرم وهي شابة مدى الدهر. 5- زمن مدينة اراكوس.
- وهو زمن يدلل على انطفاء هذه المدينة باعتبارها مكان. إنَّ زمن المدينة هو الزمن الكبير لأحداث ووقائع هذا النص المسرحي؛ وفيه يعالج المؤلف الزمن من حيث آثاره على سكان المدينة؛ كما إنه يعطي بهذا الزمن صفاته التي هي: الموات؛ الملل؛ العبودية. إنَّ ما يهمنا هو أنَّ زمن الحدث المسرحي الذي يقع خلال 24 ساعة فقط؛ وهو الزمن المسرحي لنص الذباب.
إلا أن أحداث هذه آل 24 ساعة تناقش وتعالج زمناً يمتد إلى 15 عام؛ وإن الأساس الذي يميِّز شخصيات المسرحية هو الاغتراب في الزمن إذ تعيش الشخصيات الرئيسة اغترابها عن واقعها الصحيح؛ والزمن في الذباب يحتمل قدرية واضحة هي قدرية المصادفة في عدم مقتل «إيجست» على يد رجال إيجست؛ وفي لقاء إيجست مع شقيقته الكترا. وفي مسرحية (جلسة سرية) كما يرى شفيق المهدي أن البنية الزمنية تتوضح باتجاهين: الأول هو أنَّ النص ينجز زمنه في الـ«هناك»..
وهناك يوم الحساب؛ اليوم الآخر؛ القيامة؛ بعد أن تمَّ تصفية الحساب وبعد أن أدينوا ليُلقى بهم في الجحيم. إذن زمن «هناكَ» يعدل ويقترن بـ«الجحيم» كمكان؛ فالشخصيات الثلاث أدينت بناءً على ما فعلوه في السهنا» الدنيا على أفعالهم في زمن سابق؛ وجاء القرار بأن مكانهم هو الجحيم؛ ولا يعني الجحيم بأي حال أنه آلات التعذيب؛ الكلاليب؛ شوي الجسد بالنار. بل يعني انفصال وعزلة الشخصيات في الزمن.
وبذلك تتحقَّق في مسرحية «جلسة سرية» ثلاثة أزمنة تنجز تواجدها باتجاهات ثلاث تصب في إناء واحد؛ الأول هو زمن الشخصيات في الجحيم وهو لا يتجـــاوز ستـــة أشهر؛ والثاني زمن حياتهم على الأرض وذكرياتهم عنها وهو زمن عمر كل الشخصيات؛ وهذه الأزمنة تجتمع في وحدة زمن واحد هو ما نسميه في المسرح بـ(وحدة الزمان).
أمَّا في مسرحية (موتى بلا قبور) والتي يحيلنا عنوانها على المأساة إذ إن الموت وحده مأساة؛ والقبر دليل محسوس على أنَّ مأساةً قد وقعت لأحد الناس على الأقل؛ إنَّ الزمن يستدعي توتراً أشد مأساةً وبطولة استثنائية؛ فالشخصيات تتصارع بين حدين زمنيين وجوديين بين شيء لا يمكن احتماله لقسوته.
وبين لا شيء يتحقق فيه الموت يؤكِّد قضية ميتافيزيقيـــة ولكنـــه لا يلغيها؛ إنَّه يؤكِّد عبثَ الحيـــاة وعدم معنى الوجود الإنسـاني. ويقـــع هذا في جهة ومكان رجال المقاومة الفرنسيين؛ أما على جهة الألمان فالزمن يتشابـــه مع زمن الفرنسيين لكن ليس لنفس الأسباب؛ فالجـــلاد لا يشبـــه الضحيــة عموماً ؟
والسبب هنا هو التوتر النفسي الشديد والضياع في الشغل والانهماك في حفــلات التعذيب التي يقيمونها؛ وهذا يدفع إلى إفلات الزمن حتــى في أبسط أشكاله الوقت أو اليوم.
الكتاب: زمن سارتر
تأليف: د. شفيق المهدي
الناشر: طبعة خاصة
بغداد 2010
الصفحات: 44 صفحة
القطع: المتوسط
