يبين مؤلف الكتاب، د. مصطفى عبدالغني، أن الرقابة الأميركية على الانترنت، هي المبعث والنشأة والهيمنة التي خلقت بالتالي أدواراً أخرى، ومنها ما يعرف بـ«مخابرات الانترنت»، ما آثار جدلا في عام ‬2002م، بعد أن نشرت بعض الصحف الفرنسية ما يشير إلى ذلك الجهاز، بسبب إمكانية الهيمنة على الشبكة واستخلاص المعلومات منها.

وهو الموضوع نفسه الذي شغل الكاتب من قبل، ونشر حوله كتابه «الرقابة المركزية الأميركية على الانترنت». وقد خلص في كتابه الأخير إلى أن محاولات مستهلكي الخدمة للانفلات من تلك الهيمنة، ما زالت أضعف وأقل من منتجي التقنية التكنولوجية الرقمية، حتى بعد السماح بكتابة أسماء المواقع بعدة لغات، منها العربية.

ويرصد المؤلف زيادة شراسة الرقابة الغربية على الانترنت، بعد حادثة ضرب البرجين في ‬2001م (‬11 سبتمبر)، حيث دفعت الحادثة إلى اتخاذ المزيد من القوانين والإجراءات التي تتيح للقوى الناعمة وأصحاب الهيمنة التكنولوجية، المزيد من وسائل الرقابة (والتجسس).

ويعد العالم العربي من أكثر المناطق في العالم، في معدلات استخدام الانترنت، التي تصل إلى زيادة سنوية تمثل في المتوسط ‬200؟، كما يوجد مليون مشترك، مع اعتبار أن متوسط استخدم الجهاز الواحد ‬3 أشخاص، أي ‬3 ملايين مستخدم.

ومعظم الدول العربية (باستثناء مصر ولبنان ودول المغرب العربي)، اتخذت إجراءات تكنولوجية لوصول بعض المشتركين إلى العديد من المواقع، معتمدة على ما يسمى بحائط النار أو استخدام جهاز «بروكسى». وهي التي تقوم بفلترة أو تصفية أوامر المتعاملين على الشبكة، قبل الوصول إلى الشبكة. لكن السؤال هو: ما علاقة الرقابة وحقول الإبداع؟

وهو ما يحيلنا إلى بعض المفاهيم الجديدة، ومنها «الرقابة الرقمية». وأقرب وأوضح نموذج لها، ما تم بالاتفاق بين الحكومة الصينية، وشركات الشبكة، من ضرورة حجب بعض المواقع الصينية المعارضة للنظام، وتسليم عناوين مواقع المعارضة الصينية.

وقد وافقت الشركات في مقابل طرح منتجاتها في السوق الصينية.

ومعنى مصطلح «الإبداع الرقمي»، هو ما يتضمن المصنف الأدبي (رواية ـ شعر ـ أفلام...)، ثم المصنف الفني (الرسوم ـ اللوحات ـ الصور ـ تصاميم العمارة..الخ)، ثم الحقوق المجاورة لحق المؤلف، مثل الهيئات الإذاعية.

وهنا يجب الإشارة إلى أن قراء الأدب الآن يفوقون كثيرا القراء في الزمن الماضي، وأرقام زيارة المواقع الأدبية تؤكد ذلك. وثمة علاقة بين الرقابة والإبداع. لذا يدعو الكاتب إلى تأمل ظواهر ذات صلة، مثل قطع الكوابل البحرية في المنطقة العربية في نهاية عام‬2008م.

وقد أشار إلى ما كتبته الكاتبة الأميركية شيرى ستوناج، من أن الغواصات الأميركية الموجودة في بحار العالم، قادرة على إنزال المدربين داخل غرف هوائية، للتجسس على العالم العربي من خلال الكابلات، بل وقطعها (من كتاب خداع الرجل الأعمى).

وتحت عنوان «الحرب والانترنت» انعقد المؤتمر العالمي الذي دعا فيه دونالد رامسفيلد، العسكري الأميركي، إلى إنشاء وكالة أمنية جديدة تعهد باستخدام الانترنت في تلك الحرب والتي تدعو إلى مواجهة الإسلام، الراديكالي، كما يقولون.

وأما من أبرز صور الإبداع التي يسعون للسيطرة عليها، وبالتالي على مقدرات الشعوب عبرها: الإعلام، المنتديات والمدونات. ويؤكد الكاتب أن الولايات المتحدة الأميركية تحديدا، تراقب كل شيء على الشبكة العنكبوتية، بل إن شركة ميكروسوفت تسلم الحكومة الأميركية الكود أو الرقم السري لكل جهاز أو برنامج كمبيوتر تبيعه. ما يسهل اختراق الشبكة في أي وقت، وأي اتجاه.

وقد أعلن وزير الخارجية في إسرائيل، خلال الفترة القريبة الماضية، أن الفكر الجديد للشرطة الإسرائيلية هو شن الحرب على الانترنت، بحيث يتم اقتحام الشباب منهم على غرف الدردشة (مثلا)، لتحسين صورة إسرائيل، وهو ما يطلق عليه (سرب حرب إسرائيل).

ومع الخطر الخارجي الواضح، هناك أخطار أخرى تقع على عاتق المتعامل العربي مع الشبكة الدولية، مثل انتشار الفيروسات الخطرة جدا على الجهاز والمادة المحفوظة به.

كما يرى الكاتب إلى جانب تلك السلبيات، الكثير من الجهد الجاد الذي تقوم به بعض البلدان العربية، لمواجهة تلك الأخطار، من خلال المؤتمرات والندوات. وضرب مثلا في ذلك بدولة لإمارات ومشاركتها مع الجهات الدولية والمحلية، مثل: ويندوز ثم البوابة العربية للأخبار التقنية.

وإعادة النظر في مواقع اللغة العربية في الدراسات الإنسانية، وعالمية اللغة العربية وقدرتها على مواكبة العلوم الحديثة، والصعوبات التي توجه اللغة العربية مع مصطلحات عصر المعلوماتية. ثم دور المؤسسات في تحقيق مطالب مجتمع المعرفة، ومعالجة اللغة العربية آليا في علوم النحو والصرف والدلالة والأصوات.

ومع ذلك فمازالت الطريق طويلة، ومازال التقصير كبيرا في العالم العربي لسد الفجوة الرقمية. ولكن المؤشرات تدلل على وجود صحوة كبيرة هنا أو هناك، والجميع يأمل مضاعفتها، وسرعة ردم الفجوة الرقمية في العالم العربي كله.

الكتاب: رقابة الانترنت على الإبداع (دراسة ميدانية)

تأليف: د.مصطفى عبدالغني

الناشر: دار عين للنشر 1102

الصفحات: ‬184 صفحة

القطع: الكبير