يرى الباحث محمد بازي في كتابه (التأويلية العربية) أنَّ التأويل في أوَّلياته كان عمىً وفوضى؛ مثل جميع مظاهر الحياة والمعرفة؛ إلى أن تأسَّس من خلال تراكماتها علمٌ ونسق يضمُّها؛ يُظهر لُحمتها وسداها.
ينصرف التأويل كما هو معروف إلى المحتمل والمرجوح بناء على اشتغال افتراضي يلوِّح بإمكانيات المعنى المختلفة؛ شأن أي تجربة في القراءة والفهم؛ تحاذيها التخمينات والحدوث؛ التي يجب أن تمحص في ضوء المقاصد العامة للنص. قال ابن الأثير: «الأصل في المعنى أن يحمل على ظاهر لفظه؛ ومن يذهب إلى التأويل يفتقر إلى دليل.
إن المعنى المحمول على الظاهر ليس محل خلاف؛ أما ما تجوِّز فيه الظاهر نحو الباطن فهو الذي يحصل فيه الاختلاف». من التأويل ما هو مفرط ومنه المفرِّط؛ وفي التأويل المفرط إسراف فهو شبيه بالتغذية الزائدة لأنه لا يحتكم إلى ضوابط ويراهن على التخمة الدلالية في عملية إشباع المعنى.
وإذا كانت هذه الإشكالات التأويلية - على هذا المستوى- متعلِّقة بالنص الأدبي فإنَّ الذي يربطها بالنص الديني هو التلاقي في هذه الخيارات الثلاثة الكبرى في عملية بناء المعنى؛ وهي الإفراط والاعتدال والتفريط. إنَّ التأويل المفرط كما يرى الكاتب محمد بازي هو الذي يتجاوز الحدود المعقولة ولا يستند إلى ضوابط.
أما التأويل المفرِّط؛ في نظرنا فهو الذي لا يبلغ الحد الأدنى من مواصفات التأويل المقبول المستند الى اللغة والأدلة النصية والسياقية الكافية. في حين أنَّ التأويل المعتدل يحتكم إلى قوانين الاشتغال التأويلي. قال الشاطبي: «فالذين أخذوه على التفريط قصروا في فهم اللسان الذي به جاء وهو العربية؛ فما قاموا في تفهم معانيه ولا قعدوا.
كما تقدم عن الباطنية وغيرها؛ ولا إشكال في اطِّراح التعميل على هؤلاء والذين أخذوه على الإفراط أيضاً قصَّروا في فهم معانيه من جهة أخرى». ولقد أدت المشاريع التأويلية غير المنضبطة وغير المحتكمة إلى قيود ومعايير؛ في حالات كثيرة إلى حدوث أهوال وسيلان دماء كثيرة؛ بسبب امتداد النص القرآني في حياة الناس؛ وارتباطه بأحوالهم.
ويظل السبب المباشر لذلك الاختلاف هو عدم امتلاك بلاغة تأويلية والخضوع لسلطتها؛ ومن ذلك ما يذكره ابن قيم الجوزية: «وبالجملة فافتراق أهل الكتابين؛ وافتراق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة إنما أوجبه التأويل؛ وإنما أريقت دماء المسلمين يوم الجمل وصفين والحرَّة وفتنة الزبير وهلم جرَّا بالتأويل».
إن القراءة التأويلية بمثابة معبر مفتوح؛ تنتقل فيه المعلومات بحرية وانتظام مع احترام مسالك محددة؛ لأنَّ الخروج عنها يعني الضياع والتيه وافتقاد المنظومة؛ وخير مثال يمكن أن يقدم في هذا الصدد الخطابات التفسيرية؛ فداخل الكل المتشابك العناصر يجد المتأمل المتفحص نظاماً دقيقاً في الاشتغال؛ هناك حركة تساندية دائبة داخل الخطاب التأويلي.
فاللغة تعمل في تعاون مع النحو والبلاغة؛ ويعمل الاشتقاق إلى جانب اللغة والنحو والبلاغة. وتحضر القراءات لتسند دلالة نحوية أو لغوية؛ وتعبر النصوص القرآنية؛ والحديثية؛ والشعرية إلى القراءة التأويلية لتساند تخريجاً دلالياً؛ وفي أحيان أخرى تطعِّم أسباب النزول والأخبار المعنى. وتلعب الاسرائليات دور التوسيع لما هو مُختزل؛ .
وفي كثير من الأحيان تعبر إلى الخطاب التفسيري مادة غزيرة من الآراء الفقهية؛ والأمثال؛ وغيرها. إنَّ الذي يطبع هذا الاشتغال التأويلي ؛ هو انفتاح الحدود بين الدوائر النصية والدوائر السياقية؛ ويتم العبور وفق معايير الملاءمة والانسجام بين العناصر التي يتم التركيب بينها عبر منطق التبرير. لا شيء يتم جزافاً؛ أو خارج المواضعات.
هناك دوماً سلطة مرجعية يجب الاحتكام إليها في حالة عدم التراضي بين المؤوِّل وقرَّائه. ونجد في التراث العربي قراءات تأويلية منتظمة في أدواتها؛ تبعاً لانتظام العمليات الذهنية؛ وشبكات قرائية متينة مبنية على منطق تساند الآليات؛ وتعاون المستويات البنائية بنظيرتها الخارجية؛ وهو أمر تحقق في الخطابات التفسيرية؛ وفي الشروح الشعرية وخطاب النقد.
هناك إذاً استراتيجية تأويلية ظلَّت تتأسَّس في خضم الاشتغال بالنصوص؛ مؤطَّرة بإرغامات الأنساق الثقافية والمعرفية.
وهذا الأمر ليس منحصراً في التأويلية العربية؛ بل يطول كذلك تأويلات الغربيين للكتاب المقدَّس؛ فقد ألَّح الكثيرون؛ ومنهم (سبينوزا) على ضرورة التقيد بالقنوات البنيوية؛ والنحوية؛ واللغوية؛ والتاريخية في عملية بناء المعنى.
ثمَّ إنَّ القراءة لا تجري دوماً إلى الأمام وإنما ترتبط بتراث بأكمله؛ عبر إشراك أجزاء منه في عملية الفهم؛ فالذخيرة والاستراتيجية النصية تقدم للقارئ إطاراً فارغاً؛ عليه أن يركب فيه موضوعاً جمالياً؛ بإعادة غير المألوف إلى المألوف ودسِّ الألفة محل الغرابة.
الكتاب: التأويلية العربية/دراسة
تأليف: محمد بازي
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون بيروت ومنشورات
الاختلاف الجزائر
2010 الصفحات: 367 صفحة
القطع: الكبير
