يبيّن ابن عرب شاه في كتابه (عجائب المقدور في أخبار تيمور)، كيف أن تيمورلنك جمع في عساكره من الترك عبدة الأصنام وعباد النار من المجوس وكهنة وسحرة وظلمة وكفرة، ويحكمون بما يرون فيها على أحوال كل مكان.

يقول المؤلف رأيت في تاريخ فارسي يدعى (المنتخب) وهو من بدء الدنيا إلى زمان (تيمور)، وهو نسب يتصل منه تيمور إلى جنكيزخان من جهة النساء، ولمّا استولى تيمور على ما وراء النهر تزوّج بنات الملوك فزادوه في ألقابه «كور كان» .

 

وهو بلغة المغول «الختن»، لكونه صاهر الملوك وقتل السلطان في شعبان سنة إحدى وسبعين وسبعمائة، ومن ذلك الوقت استقل بالملك، وشرع «تيمور» في النهب والغارات والسلب، ثم ضبط الأثقال وجمع الأموال، ولمّ رعاع الناس، وأطاعوه وهم ما بين راضٍ وكاره، واستولى على ممالك ما وراء النهر، وتسلط على العباد بالغلبة والقهر.

 

لما خلص لتيمور جميع ممالك العجم، ودانت له الملوك والأمم، وانتهت مراسيمه إلى حدود عراق العرب، غضب السلطان أحمد صاحب بغداد واضطرب، فجهز جيشاً عرمراً، فبلغ تيمور خبر الجيش، فسرَّ بذلك قلبه وانشرح صدره، وأنفذ جيشاً كراراً، فتلاقيا بصدق نيّة، فصدت كل منهما الضرب وسد لنحره ألسنة الأسنة وسهام الحرب، وانهزم جيش السلطان أحمد، ووصلت فلولهم إلى بغداد، وتشتتوا في البلاد.

 

ثم قصد البلاد الشامية، وذلك في سنة خمس وتسعين وسبعمائة، فوصل تيمور إلى تبريز ونهب بها الذليل والعزيز، ووجه إلى قلعة النجاء العساكر لأنها كانت معقل السلطان أحمد وبها ولده وزوجته والذخائر، وتوجه هو إلى بغداد ونهبها ولم يخربها، فوصل إلى ديار بكر واستخلصها، فعصت عليه قلعة تكريت.

 

فحاصرها وأخذها بالأمان، حتى أناخ يوم الجمعة على الموصل، فخربها وكسرها، ثم أتى رأس العين فنهبها وأسرها، ثم تحوّل إلى الرها فزاد فيها عبثاً وفساداً، وفي ممالك ديار بكر انغمر، ومنها ماردين فقصدها بتلك العفاريت المصاليت، وأحلّوا الدمار في هاتيك الديار، فساموها خسفاً وهدّوها زحفاً فأخذوا المدينة عنوة وقسراً.

 

وصل تيمور حلب في سبعة أيام من عين تاب، وبرز من ذلك العسكر طائفة نحواً من ألفي نفر، فتقدم لهم من الأسود الشامية، نحو من ثلاثمائة، فغلوهم بالصفاح، وشلّوهم بالرماح، فبددوهم وطردوهم. فقصدوا المدينة من الباب المفتوح، والسيوف تشقهم والرماح تدقهم، ولا يزال يدوس بعضهم بعضاً حتى صارت العتبة العليا من الباب أرضاً، فتشتتوا في البلاد وتفرقوا في الأوتاد، ودخل حلب، ونال منها ما طلب.

 

ثم توجّه بالعساكر والاستعداد التام إلى جهة بلاد الشام، فوصل إلى حماة ونهب ما حوت يداه، ووصل إلى حمص فلم يتعرض بها لتشتيت وتبديد ووهبها لسيدي خالد بن الوليد، ثم سار وما ارتبك حتى نزل على بعلبك، وأرسل فيها جوارح النهب والاستئصال، ثم ارتحل مجرياً ذلك البحر الزخّار والسيل التيار حتى أشرف على دمشق.

 

ونزلت الجنود التتارية غربي دمشق من داريا إلى قطنا والحولة وما يلي تلك الأماكن. وتحصنت القلعة والمدينة بالسلاح والعُدَد، وحفروا الخنادق، وشرعوا في المهاوشة والمناوشة، ثم إنّ تيمور حفر الخنادق حوله وأرسل الطلب وراء من هرب،.

 

وصار كلما أُتي بأحد من أجناد الرجال أمر بإلقائه بين يدي تلك الأفيال، ونصب عليها المجانيق، ونقب تحتها وعلقها بالتعاليق، إلا أن كلت عن المجاذبة والمنابذة أيدي مقاتليها فطلبوا الأمان، وأخذ منهم الأموال، واستمرت عقود المصادقة بينهم، إلى أن قوض جناحيه عن دمشق ورحل وقد استخرج منها ما أراد من نفائس وأموال بأنواع العقاب وأصناف العذاب والنكال.

 

 

 

 

الكتاب: عجائب المقدور في

أخبار تيمور

تأليف: شهاب الدين

الدمشقي

الأنصاري

«ابن عرب شاه»

الناشر: منشورات وزارة

الثقافة السورية

دمشق ‬2011

الصفحات ‬392 صفحة

القطع: المتوسط