يتعرّض المؤرخ غوردون س. وود في كتابه (إمبراطورية الحرية) بالبحث والتحليل للمرحلة الجنينية في مسيرة الثورة الأميركية، وذلك اعتبارا من عام ‬1789، وبداية قيام الحكومة الوطنية وحتى نهاية (حرب التحرير) ضد الاستعمار الانجليزي عام ‬1812.

ويحدد المؤلف القول أن تلك الفترة كانت من بين الأكثر اضطرابا في التاريخ الأميركي كله إلى جانب ما يسمى بـ (الحرب الانفصالية) بين الشمال والجنوب خلال سنوات ‬1860-‬1864. ويشرح المؤلف مختلف مظاهر التحوّل والتبدّل التي عرفتها (الجمهورية الأميركية الفتية) على مختلف الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

وإذا كان يؤكّد بأشكال مختلفة أن جميع أولئك الذين ساهموا في الحكومة الوطنية الأولى كان (يسكنهم الأمل) بمستقبل مشرق لبلادهم فإنه يرى أنّ (آمالهم وأحلامهم) لم تكن تعمل دائما في الاتجاه الذي كان ينبغي أن تعمل فيه.

ومن السمات الأساسية التي يتم التأكيد عليها في الأميركيين آنذاك هو أنهم كانوا من دعاة الابتعاد عن الأحزاب السياسية إلى جانب «الحذر» من الدول الأخرى.

ويعيد المؤلف إلى تلك الفترة وجود تيارين كبيرين عرفهما المجتمع الأميركي. تيار يريد للولايات المتحدة أن تصبح قوة مالية وعسكرية كبرى على غرار القوى الكبرى آنذاك، متمثلة في بريطانيا العظمى وفرنسا خاصة.

وتيار آخر عبّر عن رغبته في بقاء الولايات المتحدة بلادا زراعية بالدرجة الأولى ومختلفة تماما عن البلدان الأوروبية وتوجهاتها الصناعية.

هذان التياران وجدا باستمرار أصداءهما في المجتمع الأميركي، كما يرى المؤلف. ذلك من خلال أولئك الذين يريدون للولايات المتحدة مكانة رائدة في قيادة العالم والانفتاح عليه، وأولئك الذين يريدون الاكتفاء و«الانطواء» على المجال الأميركي وحده وبذل جميع الجهود من أجل ازدهاره بعيدا عن المشاكل التي يعاني منها الآخرون.

لكن ما كان يوحّد الجميع في البداية هو التأكيد قبل كل شيء على «البعد الإنساني» الذي ينبغي أن تتحلّى به الثورة الأميركية. ويذكّر المؤلف أنه منذ الحصول على الاستقلال جرى الحديث عن «الثورة من أجل الحرية الكونية»، كما ينقل عن كتابات تلك الفترة. وثورة تفتح آفاقا جديدة أمام القضايا الإنسانية إذ أن عصرا جديدا من تاريخ الإنسانية يبدأ».

ويعارض المؤلف وجهة النظر السائدة و(المحافظة) التي ترى أن الثورة الأميركية كانت في عمقها نوعا من (التمرّد الاستعماري). ذلك بمعنى أن الذين قاموا بها من (المستوطنين) إنما كانوا يريدون (انتزاع) الحقوق من البريطانيين و(الاستئثار) بها لأنفسهم من منطق (استعماري).

بالمقابل يدعم المؤلف مقولة أن الثوريين الأميركيين كانوا (يرمون منذ البداية إلى إقامة مؤسسات ديمقراطية).

ويشرح المؤلف ما يسميه (المنافسة الإيديولوجية) بين الراديكاليين والديمقراطيين. هذا خاصة في المدن الكبرى، لاسيما الموانئ التي كانت أكثر انفتاحا على الأفكار القادمة من الخارج، وكذلك في مناطق المزارع الكبرى في الجنوب.

ويحدد المؤلف ركيزتين أساسيتين أكّدت عليهما (الجمهورية الأميركية الفتية) وهما الديمقراطية والتجارة. وهذا ما اتفق عليه الجميع ولو أن تلك الفترة عرفت الكثير من النزاعات على صعيد أصحاب القرار.

هكذا يقول المؤلف عن جيفرسون وهاملتون عندما جمعتهما إدارة واحدة أنهما «كانا ينتفان ريش بعضهما كل يوم كديكين». تجدر الإشارة في هذا السياق أن غوردون وود يقدّم الكثير من التوصيفات للشخصيات الأميركية الكبرى خلال الفترة التأسيسية من بين التي كانت قد لعبت أدوارا أساسية.

ويرى المؤلف أن «التجارة» هي التي كانت في واقع الأمر وراء التحولات الكبيرة و«بسرعة مدهشة» في ولايات الشمال الأميركي. وكذلك كانت وراء جعلها «قوة صناعية» منذ القرن التاسع عشر. كذلك تربط التحليلات المقدمة بين نجاح بعض «الروّاد المؤسسين» وبين التغيّر في التوجّه الذي عرفه المجتمع الأميركي والتوجه نحو العالم غير الأوروبي.

الكتاب : إمبراطورية

الحرية

تأليف: غوردون س. وود

الناشر: جامعة اكسفورد

‬2010

الصفحات: ‬800 صفحة

القطع : المتوسط

Empire of liberty

Gordon S. Wood

Oxford University Press- 2010

800p.