يسأل الباحث التونسي عبد الوهاب مؤدب في كتابه (ربيع تونس) بداية: (لماذا يقرر شعب فجأة أن ينتهي من الاضطهاد؟ وأن ينتهي من الخوف؟. وبعد أن يؤكد أن (اللغز لا يزال قائماً) يسأل من جديد: (لماذا كانت النهاية ـ نهاية النظام ـ في هذه اللحظة)؟

وفي معرض الإجابة على هذه الأسئلة يقول المؤلف (إن الثورة التونسية، ودون أي إنذار مسبق، تجسّدت يوم الجمعة ‬14 يناير ‬2011 الذي تسارعت فيه الأحداث كثيراً...).

وبعد أن يشير المؤلف إلى الحادث المأساوي الذي تمثل في إقدام محمد البوعزيزي على إشعال النار بنفسه حتى الموت، يقول إنه قابل في الخامس من ذلك الشهر الكاتب الياباني إيوكو سيكيغوشي، حيث أخبره أن «أمراً خطيراً ما» يجري في تونس. كما يبدو من الرسائل الإلكترونية الكثيرة التي «لا تتحدث عنها الصحافة إلا قليلاً». ثم أشار الكاتب الياباني أن «المثقفين ليسوا على الموعد» مع ما يجري.

ويشرح المؤلف الأسس التي كان يقوم عليها النظام السابق. وهو يركز على ثلاث نقاط أساسية. النقطة الأولى هي اعتماد الدولة التونسية على دستور يجد جذوره في الثقافة الوطنية كما استوعبها أولئك الذين ناضلوا من أجل الاستقلال وكان القسم الكبير منهم قد تخرّجوا من الجامعات الفرنسية.

والنقطة الثانية هي حكم الحزب الواحد على غرار الموديل «الستاليني» الذي تبنّاه كُثر في العالم العربي خلال سنوات الخمسينات المنصرمة. والنقطة الثالثة هي سيادة الحكم الفردي ذي الطابع الاستبدادي المستلهم من العالمين البيزنطي والفارسي.

هذه المكوّنات الثلاث هي التي وضعتها «ثورة الياسمين» موضع التشكيك.ويتوقف المؤلف في تحليلاته عند تعبير «ثورة الياسمين». هذا التعبير لم يعد يلقى الترحيب في تونس، كما يقول ذلك بسبب ارتباطه بالحملة الدعائية لابن علي وقبله للرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة.

وكذلك ارتباطه «بالدعايات السياحية-التجارية» من جهة أخرى. لكن عبد الوهاب المؤدب يرى في «الياسمين» شيئاً آخر، جميلاً. ويعود إلى صورة جدّه العجوز الذي كان يقطف زهور الياسمين قبل أن تتفتح بحركات فيها الكثير من «الورع». ثم إن الصينيين أصبحوا ينظرون بإعجاب كبير لـ«الياسمين» بعد الثورة التونسية، هذا إلى درجة أنه أصبح نوعاً من الرمز للحالمين بالحرية من أبناء الصين.

ويبدي المؤلف إعجابه الشديد بالشباب التونسيين «الخلاّقين والنشيطين والمصممين. ثم إن جيل الثورة الرقمية يعبّر عن نفسه بجسارة وبكل حرية». وهذا ما يلخّصه المؤلف بالقول إن «محظور الصمت قد تحطّم». ويؤكّد أن أولئك الشباب نجحوا في «اختراق» جميع أنواع الرقابات و«انتصروا» في معركة الإعلام والمعلومات واستخدموا «الهاتف النقّال» كوسيلة لـ«التنسيق والفعل».

أولئك الشباب يدعوهم عبد الوهاب المؤدّب بـ«الأبطال الذين يصنعون الأحداث». ويذكّر المؤلف في هذا السياق بعدد من أولئك الأبطال من أمثال «حمادي كالوتشا»، الاسم المستعار لـ«سفيان بلحاج» الذي أسس منذ عام ‬2007 صفحة انترنت وتواصل عبر الرسائل الإلكترونية «بلوغ» تحت عنوان «أحلم بتونس ديمقراطية». لقد تشبّه بالمناضل الأميركي الأسود مارتن لوثركنغ وكلمته الشهيرة:

I have a dream وبعد أن يذكر المؤلف أسماء عدد كبير من الآخرين يصل إلى القول «لقد أصبحنا في قلب حرب عصابات إلكترونية». يقول المؤلف: «لقد اكتشفت بإعجاب شديد عبر تويتر وفيس بوك تلك الشبيبة التي استطاعت أن تلوي يد الدكتاتورية».

يروي المؤلف في هذا الكتاب «الصغير حجماً» قصة الثورة التونسية، يوماً بعد يوم، وعبر حكايات مستخدمي الانترنت «الانترنوت» والبائعين في سوق السمك وممثلي حقوق الإنسان وأنصار الحركات الإسلامية الذين يؤكد على وجودهم كأحد مكوّنات نسيج المجتمع التونسي، ولكن الذين يطالبون بضرورة خوض «معركة الأفكار» في مواجهتهم. هذا كله في سياق مئات آلاف الحناجر التي رددت «تونس حرّة».

الكتاب: ربيع تونس، انبعاث التاريخ

تأليف: عبد الوهاب مؤدب

الناشر: البان ميشيل- باريس ‬2011

الصفحات: ‬100 صفحة

القطع: الصغير

Printemps de Tunis، la métamorphose de l?histoire

Abdelwahab Meddeb

Albin Michel - Paris 2011

100p.