يعرف الجميع اليوم أن الأسواق المالية العالمية، كانت وراء نشوب سلسلة من الأزمات، كان آخرها تلك التي انطلقت من الولايات المتحدة الأميركية في خريف عام 2008 ولا تزال آثارها ماثلة حتى اليوم. ولا شك في أن هناك اليوم القليل من الخبراء والمحللين الاقتصاديين ومن مديري المؤسسات المالية يتصورون عالماً تزول منه سلطة هذه الأسواق، باختصار عالم «بلا وول ستريت».
مع ذلك لم يتردد أحد أهم الخبراء الفرنسيين بالمنظومات المالية «فرانسوا موران»، الأستاذ في جامعة تولوز، في القول إن «الخطوة الحاسمة» التي ينبغي تخطّيها بأقصى سرعة ممكنة بغية تجنّب كوارث مالية جديدة على الصعيد العالمي، وهذا ما يشرحه في كتابه الذي يحمل عنوان: «عالم بلا وول ستريت».
الخطوة الأولى التي يقوم بها المؤلف هي القيام بنوع من «التشخيص» الدقيق لتبيين الأسباب التي جعلت «العالم بوجود وول ستريت» يمضي في طريق مسدود.
وفي مقدّمة هذه الأسباب واقع أن المعايير التي وضعها القائمون على إدارة رؤوس الأموال تؤدي إلى «إسقاط البعد الإنساني لشروط العمل»، وإلى تخريب المنظومات الاقتصادية، وإلى إخضاع السياسات العامة للمصالح الخاصة بدلاً من إخضاعها لإرادة المواطنين... وهذا كله في الوقت نفسه.
ويرى المؤلف أن السمة الأساسية للأسواق المالية هي «عدم الاستقرار» بسبب «حمّى المضاربات»، مثلا يطالب الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي اليونان بخصخصة قيمتها 50 مليار يورو من الآن وحتى عام 2015 بدلا من 7 مليارات كان قد جرى الإعلان عنها بالنسبة للسنوات الثلاث المقبلة. كذلك لم تكن أسعار الفائدة المفروضة على البرتغال أكبر مما هي عليه الآن.
ويؤكد المؤلف في مثل هذا النهج من التحليل أن نسبة الديون العالمية ازدادت خلال سنوات 2007-2010 بـ45 بالمئة. والسبب المباشر لهذه الزيادة هو أن الدول أنقذت بنوكها المهددة بالإفلاس، وكذلك حاولت استئناف النشاط الاقتصادي. لكن إلى جانب هذا أسهمت الآليات السائدة في دفع المستهلكين الصغار إلى الاستدانة أكثر فأكثر.
بالمقابل يرى المؤلف أن المطلوب هو العودة إلى تبنّي «أسعار فائدة» و«أسعار صرف عملات» ثابتة، كما كان الأمر سابقا. ولكن العودة «عبر مراحل».
ويرى أنه ينبغي أن تكون هناك «عملة مشتركة» على الصعيد العالمي، حسبما قال الاقتصادي الشهير «كنزي». ذلك أنه عندما نقول «عملة مشتركة» فإننا نعبّر في الوقت نفسه، وبالضرورة، عن أسعار صرف عملات ثابتة.
إن المؤلف يقول بضرورة عدم التوقف طويلا أمام تحليل أسباب أزمة الرأسمالية المالية العالمية التي أصبحت معروفة جيدا. لكنه يؤكد بالمقابل على ضرورة البحث عن مخارج. وتجدر الإشارة هنا إلى أن فرانسوا موران كان قد حاول إخطار المسؤولين الفرنسيين عام 2006 بالخسائر الفادحة التي ستنجم عما سُمي «الاقتصاد المعولم».
وفي السياق الحالي يعود للتأكيد على ضرورة بناء منظومة مالية عالمية جديدة بحيث تقوم الأسواق المالية بمهمتها الجوهرية المتمثلة في تمويل الاقتصاد الحقيقي، الإنتاجي، وليس «إعاقته» لصالح «ألعاب مالية قائمة على مفهوم المضاربة». وما يطالب به المؤلف بالتحديد هو نوع «النظام النقدي العالمي الذي يسمح بإدارة المال وكأنه ملك مشترك للإنسانية». هذا خاصة أن الأزمات تجد جذورها في «مراكز المال».
الكتاب: عالم بلا «وول ستريت»
تأليف: فرانسوا موران
الناشر: سويل- باريس-
2011 الصفحات: 180 صفحة
القطع: المتوسط
Un monde sans Wall Street
François Morin
Seuil - Paris- 2011
p.
