يوضح مؤلف الكتاب، محمد كامل الخطيب، بدأت إعادة الاعتبار لكلمة(فلسفة)، في مجتمعاتنا، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وربَّما كانت المقالة المعنونة ب«الفلسفة» لجناب المعلِّم خليل أبي سعد، والمنشورة في مجلة (المقتطف) في شهر أغسطس ‬1882، من أوائل المرات التي استخدمت فيها هذه اللفظة - الفلسفة - على حقيقتها وبمعنى إيجابي، أي مقرونة بالعقل في الكتابة التأليفية العربية الحديثة.

ثمَّ استُخدمت اللفظة بمعنى«ماهية الشيء»، ومضمونه، وعلى ذلك استخدمها جرجي زيدان(‬1861 -‬1914)، في كتابه «الألفاظ العربية والفلسفة اللغوية» الصادر عام ‬1884م.

ثمَّ استخدمها في دلالة مشابهة جبر ضومط(‬1858 -‬1930)، في كتابه«فلسفة البلاغة» في عام ‬1898. وغيرهما. ولقد فقدت الحضارة العربية، كما يرى محمد كامل الخطيب، منذ القرن السادس الهجري(‬12 م)ديناميكيتها، ودخل المجتمع العربي والإسلامي عموماً، في آلية تراجع. وضمر دور العقل وتراجعت الفلسفة،.

وبالمقابل كانت أوروبا، التي استعادت التقليد الفلسفي اليوناني، أي استعادت اعتماد «العقل» أساساً، منذ مرحلتي النهضة فالتنوير فالثورة الصناعية، مع جملة تطورات اجتماعية وفكرية واقتصادية وعلمية أخرى فيما بعد، قد شرَعَتْ تصعد، ولا تزال تصعد، على الرغم من كل الكلام المكرور عن«انحلال الغرب وتدهوره». وعن أنَّ أوروبا مجرَّد: «جيفة متمدنة». كما قال أحد كبار الشعراء والمثقفين الحداثيين العرب.

واتضح وبشكل جلي ومنذ القرن الثامن عشر، وتحديداً في القرن التاسع عشر، أنَّ التفوق الأوروبي يمثِّل كما يجب أن نعرف، أو كما يجب أن نعترف:«حضارة العقل» يونانية المصدر، وبأجلى صورها وأقصى حدود احتمالاتها، سلباً وإيجاباً. وربَّما ما كان ذلك ممكناً لولا أنَّ أوروبا ومعها الفكر الإنساني، امتلكت زمام العقل وديناميكية مساره وآليتها.

وكذلك فعلت كل الثقافات الأخرى، متجاوزة إشكالية القرون الوسطى، أي إشكالية التوفيق مابين العقل والنقل. وهي الإشكالية الفكرية التي توقَّفت، وربما تعطَّلت، عندها الفلسفة في الشرق الهلنستي، منذ الأفلاطونية المحدثة.

واستمرت في فلسفة القرون الوسطى، إسلامية كانت أم مسيحية، أم يهودية. ثمَّ يذهب محمد كامل الخطيب إلى اعتبار أنَّ إشكالية العقل والنقد والروح والمادة، والعلم والإيمان، والفلسفة والدين، هي إشكالية قديمة نبتت على أرضية الفكر الديني، وكانت تشكل مضمون الفكر القروسطي ومداره:

إسلامي ومسيحي. لكن هذه الإشكالية فيما يبدو، أصبحت متجاوزة في العصر الحديث، حيث الإنسان هو مدار السؤال، والأرض هي موضوع الدراسة، والطبيعة وراءها هي مجال البحث. وربَّما كان سبب إخفاق الفلسفة الإسلامية في العصور الوسطى ومجتمعها بالتالي، هو هذه المراوحة عند هذه الإشكالية، إشكالية التوفيق إياها، وبسببها،.

بينما كان تجاوز إشكالية التوفيق هذه هو سبب دخول أوروبا العصر الحديث، أو قيادتها له على الأصح. ويبدو أنَّ الدكتور محمد جابر الأنصاري في كتابه «الفكر العربي وصراع الأضداد»، ينظر إلى المادية كمادية مطلقة ونقية، وإلى الروحية كروحية مطلقة وصافية. والحقيقة أنَّ في الأفكار الروحية بعض «النزاعات» أو قشرة من «المادية» المضمرة.

ولهذا لم يتكلَّف ماركس لتحويل فلسفة هيغل الروحية إلى فلسفة مادية، صعوبةً أكبر من تلك التي تكلَّفها ليجعل ديالكتيك هيغل يقف على قدميه، حسب عبارة ماركس الشهيرة، والشيء نفسه، أي جعل الفكر المجرَّد فكراً مادياً مشخصاً، بحركة قريبة وبسيطة، كان فعله «لوقيانوس السميساطي»، في محاوراته التي جعلت محاورات أفلاطون تقف على قدميها بدل رأسها، كما عبَّر السميساطي قبل ماركس.

إنَّ نقل مركز الاهتمام إلى الإنسان، ومن ما وراء الطبيعة إلى الطبيعة، هو مغزى الفكر الحديث عموماً. أو هذا هو مغزى ما حاوله في الفكر العربي الحديث، مثل ما فعل:

شبلي شميل وفرح أنطون وطه حسين وسلامة موسى وساطع الحصري وسليم خياطة وقسطنطين زريق وجماعة «مدرسة التحرر الكامل»، وهو المغزى الذي حاوله في الحاضر مهدي عامل وسمير أمين وصادق العظم وفؤاد زكريا وعبدالله العروي وجورج طرابيشي وآخرون.

وهذا الاتجاه الفكري، الذي بات عميقاً في الفكر العربي الحديث، ما انقاد وراء اتجاه التعادل والتوفيق والتوسط الذي وسمَ كثيراً من الفكر العربي المعاصر، ولا سيما الفكر السياسي منه. ويرى الخطيب أنَّه ربما كانت التوفيقية في هذا المجال- في استمرارها ومآلها - تعبر عن إجهاض إمكانية النهوض.

وقد تكون نهوضاً أُعيق أو تجمَّد، وربَّما كانت المظهر لحالة التراجع التي وصلها المجتمع والفكر العربيين، بل ربَّما كانت المظهر، لأنَّها تعبيرٌ عجزَ عن اتخاذ قرار متسق مع العصر، وبهذا تكون أصل الداء.

وليست البلسم أو الدواء. وما يسمى أنظمة فكرية وسياسية راديكالية عربية، إنَّما أخفقت داخلياً بسبب توفيقيتها لا بسبب جذريتها، وبهذا فالتوفيقية أو الوسطية كانت شكلاً من أشكال (الخوف من التاريخ) أو (الواقع)، وليس شجاعة للدخول في العصر. وفي كل الأحوال فقد أنتجت فترة النهضة العربية الحديثة مهاداً فلسفياً يمكن الاعتماد عليه في متابعة طريق التفكير الفلسفي، أي العقلاني.

أنور محمد

الكتاب: ضد التوفيقية

تأليف: محمد كامل الخطيب

الناشر: دار بترا دمشق،

ورابطة العقلانيين العرب ــ ‬2010

الصفحات: ‬128 صفحة